السفير الأمير وحِكمة السعودي في رِحاب بلد النشامى ..
بقلم: المستشار محمد صالح الملكاوي / عمّان
في لحظةٍ روحانية رمضانية تختصر الكثير من المعاني، كسر سمو الأمير منصور بن خالد بن فرحان آل سعود، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الأردن، القالبَ البروتوكولي بهدوءٍ الواثقين، حيث رفض الجلوس إلى الطاولة المخصصة له، متجاوزاً الرسميات، ومُصرّاً على أن يكون بين ضيوفه الأردنيين على المائدة السعودية الرمضانية لخادم الحرمين الشريفين، والتي ضمّت نخبةً من رجال الدين والسياسة والبرلمان والثقافة والسلام والإعلام.
فلم يكن تصرّف سمو السفير السعودي حركة عابرة في نظري، بل كانت رسالة سعودية صامتة بليغة: بأن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ من القُرب ومن القلب، وأن الحِكمة السعودية تُرى في السلوك قبل الكلمات، لهذا مرّت في خاطري حينها عشرات مواقف التواضع التي شاهدتها أو لامستها من القيادتين الأردنية والسعودية.
• حين تتحول الدبلوماسية إلى رسالة إنسانية
ففي عمّان الوفاق والاتفاق، وأردن المحبة والسلام والتعايش، وحيث تشمخ مآذن المساجد على امتداد الوطن بندى المساء حين آذان المغرب على موائد الرحمن، وتتصافح القلوب على مائدة خادم الحرمين الشريفين، بدا المشهد الرمضاني هذا العام أعمق من مناسبة رسمية، فقد كان درساً حيّاً في الحِكمة المُتواضعة، حيث حضر السفير الأمير بروح الأخ والشقيق والصديق قبل صفة الأمير والدبلوماسي، وألقى حضوره في القلوب والعيون ألقاً (سعودياً – أردنياً) مميزاً، خلال تدشين برنامجي خادم الحرمين الشريفين لتفطير الصائمين وتوزيع التمور على عدد من الجمعيات الأردنية.
وكان تصريحه عن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية تأكيداً على أن هذه العلاقة ليست مجرد علاقة دولتين شقيقتين فقط، بل هي قصة أخوّةٍ راسخةٍ كتبتها الحِكمة السعودية والأردنية قبل السياسة والجيرة، ورسّخها قادة البلدين قبل الاتفاقيات والبروتوكولات، حيث أكد سموّه على أن حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود (رئيس مجلس الوزراء)، وأخيهما جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين (يحفظهم الله)، على أن تبقى هذه العلاقة مميزة ومتجددة، لأنها الضمانة الحقيقية لاستمرارها أنموذجاً يُحتذى في التضامن العربي والإسلامي الصادق.
• تواضع القيادات… مدرسة أردنية سعودية
ولأن العلاقات الأردنية السعودية هي علاقات وجدان قبل أن تكون علاقات سياسة ودبلوماسية، فقد بدا هذا المشهد السعودي الرمضاني في الأردن امتداداً طبيعياً لمدرسةٍ قياديةٍ مشتركةٍ. فكما عرف الأردنيون مليكهم عبدالله الثاني ابن الحسين بقربه من شعبه وجلوسه بينهم في مناسباتهم عديده، واستماعه المباشر لهم، جاء موقف السفير الأمير السعودي ليؤكد بأن التواضع هو نهج راسخ في مدرسة الحُكم السعودية أيضاً. وبأن التواضع ليس مجاملة بروتوكولية، بل هيثقافة حُكم تُمارَس في التفاصيل الصغيرة قبل المشاهد الكبرى.
• الوزير آل الشيخ … ورحلة الاعتدال حول العالم
ولا يكتمل المشهد دون الوقوف عند جهود معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودي الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، الذي يقود منظومة دعوية وإنسانية وصلت إلى أكثر من (120) دولة، حاملة رسالة المحبة والسلام السعودية للعالم، عبر أربعه برامج لخادم الحرمين الشريفين، لتفطير الصائمين، وتوزيع التمور، والإمامة في صلاة التراويح في رمضان، وتوزيع المصاحف.
هذا علاوة على الرسالة الإسلامية التي يحرص عليها معالي الدكتور آل الشيخ، من هذه البرامج بهدف إيصال وترسيخ خطاب وسطية واعتدال الإسلام، وتعزيز الأمن الفكري من المُتطرّفين والغُلاة، وتفعيل برامج الإمامة خلال رمضان، بإيفاد أئمة سعوديين متميزين لإحياء ليالي التراويح في مختلف دول العالم، بما فيها الأردن.
كما يستحق طاقم وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية الشكر والتقدير على احترافيتهم في تنفيذ هذه البرامج، وحرصهم على أن تصل رسالة المحبة والسلام نقية كما تريدها القيادة السعودية الرشيدة.
• ما بين التمر والدعاء… معنىً أعمق
وبصفتي رئيساً لوِحدِة ثقافة السلام في الشرق الأوسط فأرى بأنه قد يبدو الحديث آذان المغرب وعن التمور والإفطار في رمضان حديث مناسبات فقط، لكنه في جوهره حديث عن هوية دولة سعودية عميقة وعريقة، ترى في العطاء امتداداً للإسلام، وفي دعم الأشقاء واجباً ثابتاً، لهذا فحين يختار السفير الأمير منصور بن خالد بن فرحان آل سعود أن يجلس بين ضيوفه لا أمامهم، فإن الرسالة تصبح أوضح من أي بيان: (الحكمة تبدأ من التواضع).
وفي الختام أقول، بأن هذا الحدث في عمّان، لم يكن سعودياً فقط، ولا أردنياً فقط؛ بل كان مشهداً عربياً إسلامياً إنسانياً نقياً يؤكد بأن ما يجمع البلدين هو أكبر من الجغرافيا … إنه تاريخ من المحبة والثقة، وقيادتين تؤمنان بأن خدمة الناس هي أعلى درجات السيادة والقيادة ... فشكراً لك سمو السفير السعودي الأمير منصور بن خالد بن فرحان آل سعود على أن أطلقت العنان لكلماتي بأن أقول ما أعشقه في الأردن والسعودية، وأن تُسطّره حروفي في هذا المقال، لأن حكمة الهاشميين يتقدمهم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحُسين، وسمو ولي العهد الأمير الحُسين بن عبدالله الثاني، وحِكمة آل سعود يتقدمهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز هي نبراسٌ في التواضع والإنسانية قبل القيادة.








