الشرق الأوسط بين الردع والانفجار .. هل نحن أمام حرب كبرى أم أمام إدارة حافة الهاوية ..؟؟
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
لم يعد الحديث عن “حرب عالمية ثالثة” مجرد تهويل إعلامي، ولا هو حقيقة عسكرية قائمة بجيوش تتحرك فوق الخرائط. العالم يعيش حالة اشتباك مفتوح، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه المشاريع، دون أن ينفجر بعد إلى مواجهة كونية شاملة. من أوكرانيا حيث يتواجه النفوذ بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، إلى شرق آسيا حيث تحتدم المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، إلى الشرق الأوسط حيث يتصاعد التوتر بين إيران وكيان نشأ قبل عقود قليلة فقط في قلب نزاع طويل، ويمتلك قدرات عسكرية متقدمة… المشهد ليس حربًا عالمية بعد، لكنه ليس سلامًا مطمئنًا أيضًا. إنه عالم يقف على حافة الهاوية، ويتقن لعبة التوازن فوقها.
قدرات القوى الكبرى موجودة، لكن السياسة لا تُدار بالقدرة وحدها، بل بحساب الكلفة. أي مواجهة واسعة قد تفتح أبواب الخليج، تهزّ أسواق الطاقة، وتضع قواعد عسكرية تحت تهديد دائم. لذلك تميل القوى الكبرى إلى إدارة التوتر والردع، لا تفجير المواجهة. فالحرب الشاملة قرار سهل في الخطاب… لكنه مكلف في الواقع.
الكيان الناشئ لا يسعى لمواجهة تقليدية مفتوحة مع قوة كبرى، لكنه طوّر نموذجًا مختلفًا للردع: صواريخ بعيدة المدى، نفوذ إقليمي، وأدوات ضغط متعددة. أي ضربة واسعة لن تُقابل بصمت، لكنها غالبًا لن تكون حرب جيوش تقليدية، بل سلسلة اشتباكات موزعة على أكثر من جبهة. وهنا تكمن الخطورة: الحروب الحديثة لا تبدأ ببيان رسمي، بل بتراكم ردود قد تخرج عن الحساب.
يبقى السؤال الذي لا يجوز تجاهله: كيف استطاع كيان نشأ قبل عقود قليلة فقط، وفي قلب صراع مفتوح، أن يبني منظومة أمنية وعسكرية متقدمة، ويؤسس مشروع ردع واضح، بينما المحيط العربي – الأقدم تاريخًا والأغنى موارد – عجز عن صياغة مشروع دفاعي موحد يحمي مصالحه ويصون قضاياه المركزية؟ المفارقة ليست في الزمن، فالتاريخ لا يمنح التفوق تلقائيًا، ولا في الموارد، فالإمكانات البشرية والاقتصادية هائلة. إنما الخلل يكمن في غياب الرؤية المشتركة، وفي انشغال العواصم بمعاركها البينية أكثر من انشغالها بمعركة التوازن الاستراتيجي. الكيانات تُبنى بالمؤسسات، وبالعلم، وبالاستثمار طويل الأمد في الصناعة والتكنولوجيا والتحالفات. أما الخطاب وحده، مهما ارتفعت نبرته، فلا يصنع توازن ردع. الأمم لا تُقاس بعمرها، بل بقدرتها على تحويل ذاكرتها إلى مشروع. ولا يُكتب التفوق للأكثر عددًا، بل للأكثر تنظيمًا وانضباطًا.
الكيان الناشئ يمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، واستثمر مبكرًا في الصناعة الدفاعية والتكنولوجيا والتحالفات الدولية. لكن في الوقت ذاته يواجه بيئة إقليمية معقدة، وضغطًا سياسيًا وأمنيًا مستمرًا. القوة عنصر أساسي، لكنها لا تمنح حصانة أبدية. التاريخ مليء بأمثلة لدول امتلكت التفوق، ثم استنزفها الصراع الطويل.
يبقى الاحتمال قائمًا لانفجار واسع، لكنه ليس حتميًا. القوى الكبرى تدير التوتر أكثر مما تريد تفجيره. الردع المتبادل ما زال يحكم المشهد، رغم كل الضجيج. غير أن الخطر الحقيقي ليس في النوايا المعلنة، بل في خطأ الحسابات، أو في ضربة غير محسوبة تدفع الجميع خطوة أبعد مما يريدون.
ربما السؤال الأدق ليس: من يهزم من؟ بل: هل يسمح ميزان المصالح بانتصار كامل لأي طرف؟ الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج جامدة، بل بيت شعوب وتاريخ ومقدسات. وأي انفجار واسع لن يخرج منه أحد منتصرًا بالكامل… بل أطراف أقل خسارة من غيرها.
لسنا أمام حرب عالمية ثالثة مؤكدة، لكننا أمام صراع إرادات طويل النفس. السؤال الذي يجب أن يُطرح عربيًا ليس فقط: هل ستندلع الحرب؟ بل: هل نملك نحن مشروعًا يحصّننا إن اندلعت؟ فالمنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتاج خطابات حماسية، بل تحتاج عقلًا استراتيجيًا يعيد ترتيب الأولويات، ويحوّل التاريخ من ذاكرة فخر… إلى خطة عمل.








