تشهد الخريطة الزراعية في تونس تحولات جوهرية وغير مسبوقة مع تزايد الاعتماد على الفواكه الاستوائية في مناطق طالما عرفت بزراعة الزيتون والحبوب. واكد خبراء ومزارعون ان هذا التوجه ياتي كاستجابة مباشرة للتغيرات المناخية القاسية التي تضرب البلاد. واضاف هؤلاء ان الضغط المتزايد على الموارد المائية دفع الفلاحين للبحث عن بدائل اكثر قدرة على الصمود واقل استهلاكا للمياه في رحلة بحث عن توازن اقتصادي جديد.

وكشفت المعطيات الميدانية ان البيوت المحمية في محيط العاصمة ومناطق اخرى بدات تستقبل اصنافا مثل المانغو والافوكادو وفاكهة التنين. وبين المزارعون ان هذه المحاصيل لم تعد مجرد تجارب فردية محدودة بل تحولت الى مشاريع استثمارية واعدة. واظهرت المتابعات ان طبيعة المناخ الجديد اصبحت توفر بيئة حاضنة لهذه الاصناف التي تجد في التربة التونسية موطنا ملائما للنمو والازدهار.

واوضح مراقبون ان هذا القطاع يشهد توسعا متسارعا حيث تجاوز عدد المشاريع الناشئة حاجز الـ 120 مشروعا في مختلف الجهات. واكد الفلاحون ان فاكهة التنين تتصدر المشهد بفضل قدرتها الفائقة على التكيف مع البيئات الجافة. واشاروا الى ان شجرة هذه الفاكهة تحتاج الى كميات ضئيلة جدا من المياه لا تتعدى لترا ونصف اسبوعيا وهو ما يجعلها خيارا استراتيجيا في ظل ندرة الامطار الحالية.

تحول جذري في انماط الزراعة التونسية

وقال فلاحون ان التجربة التي بدات منذ اكثر من عقد بدات تعطي ثمارها الاقتصادية والزراعية. واضافوا ان التفكير في الزراعة التقليدية اصبح يتغير لصالح اصناف اكثر ربحية واقل تكلفة مائية. وبينوا ان النجاح في زراعة الموز في مناطق الجنوب رغم تحديات الملوحة يمثل دليلا قاطعا على امكانية تطويع التكنولوجيا الزراعية والبيوت المحمية لمواجهة تحديات الطبيعة.

وشدد خبراء على ان شح المياه يفرض اعادة ترتيب اولويات القطاع الزراعي بشكل كامل. واضافوا ان المحاصيل التقليدية مثل الطماطم والبطيخ باتت تواجه انتقادات بسبب استهلاكها الكبير للمياه. وبينوا ان الزراعات الاستوائية تفتح افاقا جديدة للنمو الاقتصادي وتساهم في تقليص فاتورة الاستيراد من خلال تعزيز الانتاج المحلي.

واشار المختصون الى ان الافوكادو دخل بقوة الى الاسواق التونسية بإنتاج محلي متصاعد. واكدوا ان الارقام الرسمية تشير الى تسجيل مئات الاطنان سنويا وهو مؤشر على نضج هذا القطاع. واضافوا ان المانغو والبابايا لا تزال ضمن النطاق التجريبي لكنها تحمل وعودا كبيرة للمستثمرين الباحثين عن تنويع محاصيلهم.

رهانات اقتصادية وفرص استثمارية واعدة

وبين تقرير حديث ان الموز المحلي بدأ يغزو الاسواق لينافس المستورد بجودة عالية رغم ظروف التربة الصعبة. واكد المزارعون انهم قاموا بتعديل خصائص التربة الطينية لضمان نجاح هذه المحاصيل الاستوائية. واضافوا ان ارتفاع اسعار الفاكهة في السوق المحلية حفز الكثيرين على دخول هذا المجال لتعويض النقص في الامدادات الخارجية.

واكد الخبير الفلاحي علي قريعة ان التغير المناخي رغم مخاطره فتح ابوابا لم تكن متاحة من قبل. واضاف ان هذه الاصناف لا تستنزف التربة وتتميز بسرعة الانتاج التي لا تتجاوز العام الواحد في بعض الحالات. وبين ان هذا النوع من الزراعة يمتلك قيمة مضافة عالية تساهم في دعم الاقتصاد الوطني اذا ما توفرت الرؤية التنظيمية اللازمة.

وكشفت الدراسات ان المستقبل يتطلب استراتيجية وطنية لدمج هذه الزراعات ضمن المنظومة الفلاحية الرسمية. واضاف المختصون ان تحديات غياب الاحصاءات الدقيقة ونقص التأطير الفني لا تزال قائمة. واكدوا في ختام رؤيتهم ان تونس تقف اليوم امام فرصة حقيقية لتحويل التحديات المناخية الى مورد اقتصادي مستدام اذا ما تم توفير الدعم اللوجستي والتسويقي المطلوب.