بدأت طهران في اختبار مسارات لوجستية جديدة عبر الموانئ الباكستانية لتكون متنفسا حيويا لتجارتها الخارجية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تفرض مخاطر متزايدة على حركة الملاحة في مياه الخليج. كشفت التحركات الأخيرة عن توجه إيراني لربط موانئ كراتشي وبورت قاسم وغوادر بشبكة طرق برية تصل إلى المعابر الحدودية المشتركة مع باكستان لضمان تدفق السلع بعيدا عن التهديدات الأمنية المباشرة. وأكدت وزارة التجارة الباكستانية في خطوة استراتيجية سماحها لإيران باستيراد البضائع من دول ثالثة عبر أراضيها لتسريع وصول الحاويات العالقة وتجاوز عقبات الشحن الدولي.

واضافت المصادر أن هذه الخطوة تهدف إلى تفعيل اتفاقيات نقل بري قديمة بين البلدين كانت مركونة لسنوات طويلة نتيجة اعتماد إيران الكلي على مساراتها البحرية التقليدية. وبينت التقارير أن باكستان حددت ست مسارات برية حيوية لضمان انسيابية البضائع من الموانئ الثلاثة نحو الداخل الإيراني. وأوضحت أن هذا التحول يأتي كاستجابة مباشرة لاضطراب سلاسل الإمداد العالمية وضغوط العقوبات التي تفرض ضرورة وجود خيارات لوجستية بديلة لتفادي الشلل التجاري.

استراتيجية ملء الفراغ اللوجستي

وقالت أوساط اقتصادية إن الخطوة الباكستانية تمثل محاولة جادة لملء الفراغ الذي قد يتركه ميناء جبل علي الإماراتي في حال تفاقم الأزمات الإقليمية. وأضافت أن ميناء غوادر يقدم حاليا إغراءات كبيرة تشمل تخفيض رسوم الميناء بنسب تصل إلى أربعين بالمئة مع منح مزايا تخزينية مجانية لجذب شركات الشحن العالمية. وأظهرت البيانات دخول سفن محملة بآلاف الأطنان من البضائع إلى ميناء غوادر كأولى ثمار هذا التغيير في وجهات الترانزيت الإقليمية.

واشار خبراء إلى أن ميناء جبل علي هيمن لعقود على حركة إعادة التصدير إلى إيران بفضل منظومته المتكاملة من الخدمات التأمينية والمصرفية المتقدمة. واكدوا أن المسار الباكستاني يحاول محاكاة هذه التجربة رغم الفارق الكبير في البنية التحتية والخدمات اللوجستية المتاحة. واوضحت التحليلات أن نجاح هذا المسار يعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة باكستان على خلق بيئة استثمارية تضاهي سرعة التخليص والجودة التي اعتاد عليها التجار في الموانئ الإماراتية.

تحديات التنفيذ وضبابية الإجراءات

وذكرت تقارير اقتصادية أن المسارات الستة المعلنة لم تدخل بعد حيز التشغيل الكامل بالشكل المأمول رغم مرور وقت على القرارات الحكومية الباكستانية. وأضافت أن هناك فجوة بين قرارات وزارة التجارة وإجراءات الهيئة الاتحادية للإيرادات التي لا تزال تفتقر إلى الوضوح بشأن الإعفاءات الضريبية. وشدد رئيس ميناء غوادر نور الحق بلوش على أن العمل لا يزال يواجه تحديات بيروقراطية وتأخيرا في صدور الإشعارات الرسمية التي تسمح ببدء عمليات الترانزيت بشكل قانوني ومنظم.

وبين بلوش أن هناك حمولات لا تزال عالقة في الميناء بانتظار استكمال الترتيبات الجمركية الضرورية لتسهيل انتقالها نحو الأراضي الإيرانية. وأكد أن النشاط في الميناء شهد ارتفاعا ملحوظا منذ إغلاق مضيق هرمز وتصاعد حدة التوتر العسكري في المنطقة. وأوضح أن السفن التي رست في الميناء حتى الآن هي مجرد بداية لاختبار القدرات اللوجستية في ظل غياب سياسات واضحة تضمن استدامة تدفق البضائع عبر هذه المسارات الجديدة.

صمام أمان لا بديل كامل

واوضح أستاذ الاقتصاد بيمان مولوي أن ما يحدث حاليا لا يعد تحولا استراتيجيا شاملا بل هو استجابة اضطرارية لمواجهة المخاطر الجيوسياسية المحدقة بتجارة إيران الخارجية. وأضاف أن ميناء غوادر يوفر صمام أمان ضروري لإيران لضمان عدم توقف تدفق السلع في حال تعرضت المسارات التقليدية لأي اضطراب أمني. وشدد على أن غوادر يفتقر حاليا إلى التواجد الدائم لخطوط الشحن العالمية والخدمات المصرفية التي تجعل منه مركزا تجاريا عالميا مثل جبل علي.

واكد مولوي أن نجاح هذا المشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية وتأمين الطرق البرية في إقليم بلوشستان المضطرب. وأضاف أن الميناء الباكستاني قد يتحول في المستقبل إلى خيار دائم إذا نجحت الدولتان في معالجة ثغرات التأمين والجمارك والخدمات التكنولوجية. وكشفت التجارب التاريخية أن الأزمات البحرية هي المحرك الأساسي لإعادة رسم خرائط التجارة الدولية وتغيير مراكز الثقل الاقتصادي في المنطقة.