شهدت العاصمة التركية انقرة مشهدا غير مسبوق تمثل في اقتحام قوات الشرطة لمقر حزب الشعب الجمهوري وهو اكبر احزاب المعارضة في البلاد. جاء هذا التحرك الامني المكثف استجابة لطلب قضائي تقدم به الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار اوغلو الذي يسعى لاستعادة موقعه القيادي بقرار مثير للجدل. وتصاعدت حدة التوتر منذ الصباح الباكر حيث تحصن رئيس الحزب الحالي اوزغور اوزيل مع عدد من النواب داخل المبنى وسط تجمهر حاشد للمؤيدين في الخارج.

واضافت المصادر ان قوات الامن استخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المتواجدين بعد محاولات مستميتة من انصار اوزيل لمنع الاقتحام. ورفض المعتصمون الخروج من المبنى مرددين شعارات تمجد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال اتاتورك في محاولة للضغط على السلطات. وبين اوزيل خلال تواجده داخل مكتبه ان ما يحدث هو هجوم منظم يستهدف تقويض نجاح الحزب الذي حققه في الانتخابات المحلية الاخيرة.

واكد اوزيل ان الصراع لن يتوقف عند ابواب المقر مشددا على ان حزبه سيواصل نضاله في الشوارع والساحات العامة. واشار في حديثه الى ان التحركات القضائية الاخيرة ما هي الا محاولة لتسليم الحزب لجهات اخرى بعيدا عن ارادة المندوبين والمؤتمر العام. واوضح ان المرحلة القادمة ستشهد تصعيدا سياسيا في مواجهة ما وصفه بانه عودة لسياسات الهيمنة.

تداعيات الاقتحام ومسار المواجهة القانونية

واوضح اوزيل ان مسيرته نحو البرلمان تاتي كخطوة اولى في سلسلة من الاحتجاجات السلمية ضد ما اعتبره تجاوزا خطيرا للديمقراطية. ووجه دعوات لأنصاره بضرورة التجمع دفاعا عن الارادة الشعبية التي افرزتها صناديق الاقتراع. وشدد على ان الاستسلام ليس خيارا مطروحا في قاموس الحزب الذي يمثل صوت قطاع واسع من الشعب التركي.

وكشفت التطورات الميدانية عن وقوع اصابات بين المتواجدين جراء كثافة الغازات المستخدمة في عملية الاخلاء القسري. وبدا واضحا ان حالة الانقسام داخل الحزب قد وصلت الى نقطة اللاعودة مع دخول المؤسسة القضائية طرفا مباشرا في النزاع. وبين مراقبون ان هذا التطور قد يعيد رسم الخارطة السياسية في تركيا بشكل جذري خلال الفترة القادمة.

واشار رئيس بلدية اسطنبول اكرم امام اوغلو في رسالة قوية من داخل محبسه الى ان هذه المناورات القانونية لن تنال من عزيمة المعارضة. واكد ان الحزب سيظل صامدا بوجه محاولات التدخل التي تهدف الى تغيير هويته الوطنية. وشدد على اهمية الوحدة في هذه اللحظات الحرجة لحماية مكتسبات الجمهورية والديمقراطية.

مواقف القوى السياسية وتوقعات المرحلة المقبلة

واستنكرت احزاب المعارضة الاخرى هذا الاقتحام معتبرة اياه انتهاكا صارخا للقانون وتجاوزا للحدود السياسية المتبعة. وبين حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب ان استخدام القوة ضد مقر الحزب الرئيسي يمثل خطرا على التوازن السياسي في البلاد. واضاف ان حل الازمات السياسية يجب ان يكون عبر الحوار وليس عبر كسر الابواب واطلاق القنابل.

واكدت تقارير ان البرلمان التركي قام بالفعل بتغيير صفة اوزيل على موقعه الرسمي ليصبح رئيسا للكتلة بدلا من رئيس الحزب. ويأتي هذا في وقت تشير فيه الانباء الى ان كليتشدار اوغلو يجهز لحملة تطهير واسعة داخل اروقة الحزب. وبينت المصادر ان الخطوات القادمة قد تشمل اقصاء شخصيات بارزة وتفعيل ملفات قضائية قد تؤدي لرفع الحصانة عن نواب معارضين.

واضافت التحليلات ان المشهد التركي يتجه نحو مزيد من التعقيد خاصة مع تجاهل كليتشدار اوغلو لمطالب عقد مؤتمر عام جديد. وشدد خبراء سياسيون على ان استمرار هذا الصراع قد يؤدي الى تداعيات سلبية على الاستقرار السياسي العام في تركيا. واكدوا ان الايام القادمة ستكشف مدى قدرة المعارضة على تجاوز هذه الازمة الوجودية.