بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ليس كل من يتولى حقيبة وزارية يصبح شخصية معروفة لدى الأردنيين. فهناك وزراء لهم تاريخ سياسي ووطني واجتماعي يسبق دخولهم الحكومة ويجعل حضورهم معروفًا لدى الناس، وهناك من يصل إلى المنصب وهو غير معروف حتى في محيطه العام، ولم يسبق له حضور سياسي أو اجتماعي أو وطني يلفت انتباه الرأي العام. وهذا لا ينتقص من الشعب الأردني، بل يؤكد أن الأردنيين لا يقيسون الأشخاص بالمناصب، وإنما بما قدموه من عمل وإنجاز وحضور في الحياة العامة، لا بمجرد حمل لقب “معالي الوزير”.
أما إذا قال شخص في أقصى العالم إنه لا يعرف الأردن، فهذه مشكلة في ثقافته ومعرفته، وليست مشكلة في الأردن. فلا تُقاس مكانة الدول بجهل الأفراد، ولا يُعاد تقييم تاريخ الأوطان بناءً على رأي فردي أو تصريح عابر.
لكن أن يخرج مسؤول أردني، ثم يعود بحجة التوضيح ليؤكد أن الأمريكيين في الثمانينيات “لم يكونوا يعرفون أن هناك دولة اسمها الأردن”، فهذه ليست مجرد زلة عابرة، بل طرح يفتقر للدقة، ويتجاهل عقودًا من الحضور السياسي والدبلوماسي الذي بناه الأردن بقيادته ومؤسساته.
ولو طُرحت أسئلة جغرافية أو تاريخية على أي فرد في العالم، فمن الطبيعي ألا يكون على معرفة بتفاصيل جميع الدول أو المناطق. فجهل الأفراد بالتفاصيل لا ينتقص من قيمة الدول أو مكانتها، ولا يصلح أساسًا لبناء أحكام عامة عليها.
فلا هذا ولا غيره يملك أن يقيّم الأردن أو يقلل من شأنه. فالأردن أكبر من الأشخاص، وأعظم من المناصب. هو دولة عريقة بقيادته الهاشمية، وشعبه الكريم الشجاع، وبرجاله الذين أسسوا مؤسساته، وبحضارته وتاريخه، وبحضوره السياسي والدبلوماسي المعروف عالميًا.
ومنذ عقود، ارتبط الأردن بعلاقات دبلوماسية واسعة، واستقبل سفارات دول عربية وأجنبية، وكان حاضرًا في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، ولم يكن يومًا دولة مجهولة أو غائبة عن المشهد كما قد يُفهم من بعض التصريحات.
والأخطر من الخطأ هو الإصرار عليه بعد الجدل. فالخطأ قد يقع من أي مسؤول، أما الإصرار عليه فهو ما يضاعف أثره ويثير التساؤلات.
لذلك، فإن أقل ما يقتضيه احترام المنصب والدولة هو تقديم اعتذارين: الأول للشعب الأردني الذي يرفض أي مساس بتاريخ وطنه ومكانته، والثاني لرئيس الوزراء الذي منح الثقة واختار الوزير ضمن منظومة مسؤولية واضحة. فالمسؤولية ليست منصبًا فقط، بل وعيٌ وثقلٌ في الكلمة قبل أن تُقال. وليس المطلوب أن يكون المسؤول خطيبًا، ولكن المطلوب أن يتحلى بالحكمة، وأن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، لأن الكلمة الصادرة عنه لا تعبّر عنه وحده، بل عن الدولة التي يمثلها.
فالأردن لا يحتاج إلى من يعرّف العالم به، بل إلى مسؤولين يعكسون صورته الحقيقية، ويقدمونه كما هو: دولة ذات تاريخ، ومكانة، وحضور.
وأخيرًا، فإن الاعتذار عند الخطأ ليس ضعفًا، بل مسؤولية واحترام للدولة والرأي العام. فنحن دولة مؤسسات وقانون، تُدار بالحكمة والمساءلة، وليس بردود الفعل أو المجاملات
