تقف تغريد الدلو وسط انقاض مستشفى الشفاء في غزة باحثة عن ملامح من فقدتهم في حرب الابادة المستمرة. تتنقل بخطوات متعبة وصوت مبحوح بين الركام الذي صار ذاكرتها الوحيدة بعد ان تقلصت عائلتها التي كانت تضم اكثر من 200 فرد الى 10 اشخاص فقط. وتكشف تغريد عن تفاصيل رحلة الالم التي عاشتها حيث خرجت من تحت الانقاض سبع مرات متتالية في مناطق متفرقة من قطاع غزة.
واوضحت تغريد ان ذاكرتها باتت مثقوبة بفعل القصف المستمر الذي حول بيوتها الى تلال من التراب. وبينت انها في كل مرة كانت تنجو فيها من الموت كانت تفقد فردا جديدا من عائلتها مما جعلها تعيش حالة من الفقد المتواصل الذي لا ينتهي. واكدت ان الركام صار هو المعلم الوحيد الذي يدل على اماكن استشهاد امها واشقائها واقاربها الذين دفنوا تحت التراب.
واضافت ان حياتها تحولت الى سلسلة من محطات النزوح القسري والبحث عن الحياة وسط الموت. واشارت الى ان رحلتها لم تكن مجرد هروب من القصف بل كانت معركة يومية لانتشال ما تبقى من عائلتها من تحت الاسقف المنهارة. وشددت على ان كل محطة نزوح كانت تحمل في طياتها فاجعة جديدة تضاف الى سجل عائلتها المثقل بالدماء.
الشجاعية.. رحلة البقاء تحت السقف المنهار
وبينت تغريد كيف عاشت ليلة قاسية في حي الشجاعية حين قصفت قوات الاحتلال المنطقة باحزمة نارية كثيفة. واوضحت انها قضت ساعات طوال تحت الانقاض وهي تحاول حماية امها المقعدة والمصابة بالزهايمر. واكدت انها زحفت بجسدها بين فكي السقف المنهار والارض المليئة بالدمار لتصل الى خيط ضوء نجاة مؤقت وسط افق مسدود بالركام.
وتابعت ان المنطقة شهدت ارتقاء اكثر من 200 شهيد في تلك المجزرة. واضافت ان الناجين لم يجدوا مكانا امنا حيث تحول شارع الثورة الى حصار عسكري مغلق. واظهرت كيف قضت العائلة خمسة ايام منبطحة على الارض لا تتحرك خشية الاستهداف المباشر من الاليات التي كانت تفجر السيارات والمباني حولهم.
واكدت ان النجاة لم تكن سوى بداية لمزيد من المعاناة. وبينت انها عادت بعد فترة قصيرة لتجد نفسها تحت ركام جديد في استهداف اخر نفذه الاحتلال على نفس المنطقة. واوضحت ان فقدانها لافراد عائلتها كان يتم بالتزامن مع كل عملية قصف مما جعل البحث عن الاحياء مهمة شبه مستحيلة وسط الدمار الهائل.
مأساة النزوح المتكرر وفقدان الاحبة
واضافت تغريد انها انتقلت الى منطقة ابو العظام حيث اقامت مع 12 فردا في غرفة مساحتها 6 امتار فقط. واوضحت ان تلك الغرفة تحولت في ليلة دامية الى طبقة جديدة من الركام بعد قصف استهدف شارع مشتهى. وبينت انها بقيت مع عائلتها تحت الانقاض لساعات طويلة بانتظار طواقم الدفاع المدني وسط صراع مرير مع الانفاس الاخيرة.
وتابعت ان شارع فلسطين شهد فصلا جديدا من فصول الابادة التي طالت اقاربها. واوضحت انها في كل مرة كانت تخرج فيها من تحت الركام كان السؤال الملح يراودها عن مصير امها. واكدت ان الخريطة في ذهنها اصبحت مرتبطة باسماء الشهداء الذين فقدتهم في كل شارع وزقاق عبرت من خلاله.
واشارت الى ان مجمع الشفاء الطبي الذي لجأت اليه لم يكن ملاذا امنا. وبينت ان قوات الاحتلال حاصرت المشفى واقتحمت اقسام الجراحة واعتقلت شقيقها واطفاله. واكدت ان شقيقها استشهد لاحقا تحت التعذيب في سجون الاحتلال مما زاد من تمزيق العائلة التي حاولت التمسك ببعضها طوال اسابيع الحرب.
عنقاء غزة.. الصمود رغم الانكسار
واوضحت تغريد ان المحطة الاكثر قسوة كانت في شارع النفق حيث انهار مبنى من اربعة طوابق فوق رؤوس العائلة. وبينت انها بقيت 30 دقيقة تحت الرمل والاتربة قبل ان ينتشلها الدفاع المدني. واكدت ان امها اصيبت بشظايا ورقدت في العناية المكثفة 40 يوما قبل ان تفارق الحياة وتتركها وحيدة في مواجهة الفقد.
واضافت انها وصلت مؤخرا الى حي الزيتون حيث بلغت محطتها السابعة من الركام. واوضحت ان الهجمات المستمرة ادت الى استشهاد المزيد من افراد عائلتها وتسببت في اصابات خطيرة للناجين. واكدت ان عائلتها التي كانت كبيرة تقلصت الى اعداد قليلة جدا يحملون في اجسادهم اثار الكسور والحروق الناتجة عن القصف.
وبينت تغريد في ختام حديثها انها نزحت 31 مرة خلال الحرب. واكدت ان جسدها المنهك وصوتها المبحوح هما الشاهدان على حجم المعاناة. وشددت على ان بقاءها حية بعد كل هذا الموت هو دليل على ارادة الحياة التي لا يمكن لكل قذائف الاحتلال ان تطفئها.
