الكيان الصهيوني… قراءة في النشأة والامتداد ومستقبل الصراع

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

 

لقد كانت الأمة العربية والإسلامية منذ القدم مسرحًا عظيمًا للمعارك الحامية الوطيس، وقد كان منها المنتصر وكان منها الخاسر، وانتصرت الأمة على مدى قرون، وحكمت وعدلت بين الجميع.
لم تفقد عزيمتها يومًا، ولم تتخلَّ عن هويتها، فكان تاريخها شاهدًا على صمودها، وأنها قادرة على النهوض مهما تعثرت.

ومع دخول القرن العشرين، ظهرت على أرض فلسطين عصابات صهيونية غريبة، وجدت لا لتعيش فقط، بل أوجدها الاستعمار وجعلها جرثومة تسري في عروق الأمة العربية والإسلامية، لتكون أداة تقسيم وتفريق، تحت مسمى الكيان الصهيوني… الكيان الطارئ والمغتصب، الذي غُرز على أرض العرب والمسلمين بدعم بريطاني أولًا، ثم أميركي لاحقًا.

وأصبح هذا الكيان سرطانًا يسري في جسد الأمة، ينتشر كالنار في الهشيم، في زمن كانت الشعوب فيه مخدوعة، متأثرة بجهلها وثقافة التبعية، وسط تفكك وانهيار الإمبراطورية العثمانية، لتتحول من دولة إسلامية موحدة إلى دول صغيرة تحت الاستعمار البريطاني والفرنسي.

ومع اشتداد قوة هذا الكيان، بدأ يتمدد ويتوسع على الأرض العربية والإسلامية، مدعومًا بالدعم الأمريكي المباشر، مهددًا وحدة الأمة وأمنها.

عندها، أدركت الشعوب العربية والإسلامية مع قياداتها حجم الخطر، وتداركت الموقف بأن هذا الكيان لا بد من إزالته.

لكن الغرب، وأميركا تحديدًا، تنبهوا سريعًا لهذا الطموح العربي، فعملوا على احتوائه وكبحه، ومحاولة السيطرة على وعي الأمة ونهضتها. ورغم ذلك، فإن هيمنتهم المتغطرسة على الأمة لم تدم طويلًا، بإذن الله.

فالشعوب لم تتوقف، بل نمت عزيمتها، وزحف الوعي بين صفوفها، حتى أصبح واضحًا أن هذا الواقع لن يستمر، وأن الأمة لن تبقى أسيرة لهذا الكيان أو للهيمنة الغربية إلى الأبد.

إن الكيان الصهيوني، المدعوم من قوى دولية كبرى، لم يأتِ من فراغ، بل حُمِي بدعم السياسة والمال والسلاح، وغُطِّي على تجاوزاته، بينما تُحاصر الدول الإسلامية وتُفرض عليها العقوبات والضغوط، رغم أن تاريخ الأمة عظيم وعريق، وثقافتها وحضارتها أقدم وأعتى.

ما نراه اليوم ليس مجرد صراع على الأرض أو الحدود، بل هو صراع على النفوذ والثروات، ومحاولة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وتحجيم الأمة الإسلامية وإبقائها في حالة تبعية واستنزاف.

وفي سياق هذا المشهد، لا يمكن تجاهل ما يُطرح اليوم من حرب وقصف استهدف على إيران وقياداتها، وما يُرافقه من خطاب إعلامي يُغذّي الانقسام بين السنة والشيعة. فهذه ليست أحداثًا معزولة، بل تأتي ضمن نمط متكرر في إدارة الصراع، يقوم على إشغال الأمة بصراعات داخلية بدل توجيه بوصلتها نحو التحديات الكبرى.

لقد أثبتت التجارب أن تفكيك المجتمعات من الداخل، عبر إثارة الخلافات المذهبية والطائفية، كان أحد أبرز أدوات إضعاف المنطقة.

وما يُطرح اليوم من تصوير الصراع على أنه “سني–شيعي” لا يعكس بالضرورة جوهره، بقدر ما يخدم إعادة إنتاج الانقسام، ويُضعف أي حالة وعي أو وحدة يمكن أن تتشكل في مواجهة التحديات المشتركة.

فما جرى في فلسطين، ثم العراق وسوريا وليبيا، وما يُطرح اليوم تجاه إيران، لا يمكن فصله عن سياق أوسع، مسار لا يتوقف عند إيران، بل يمتد — إن تُرك دون وعي ومواجهة — ليشمل دولًا أخرى في المنطقة، مثل تركيا وباكستان ودول الخليج، وبلاد الشام، وما تبقى من جسد الأمة العربية والإسلامية، ضمن محاولات متكررة لإعادة تشكيل موازين القوى وإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.

لكن في المقابل، يتشكل وعي متزايد لدى الشعوب العربية والإسلامية بأن اختلاف المذاهب لا يجب أن يتحول إلى أداة صراع، وأن وحدة المصير تتقدم على كل أشكال الانقسام، وأن ما يجمع الأمة أكبر بكثير مما يُراد لها أن تختلف عليه.

وفي ظل هذا التحول، لم يعد مفهوم القوة مقتصرًا على السلاح، بل أصبح مرتبطًا بوعي الشعوب، وتماسكها، وقدرتها على إدراك طبيعة الصراع وإدارته. فالقوة الحقيقية هي التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتستعيد الحقوق دون أن تفقد البوصلة.

إن ما يحدد مستقبل هذا الصراع ليس فقط ميزان القوة القائم، بل مستوى وعي الأمة وقدرتها على تحويل هذا الوعي إلى مشروع عمل حقيقي. فالتاريخ يُثبت أن الكيانات الطارئة، مهما امتلكت من دعم، تبقى رهينة الظروف التي أنشأتها، بينما الأمم التي تملك الوعي والإرادة قادرة على إعادة تشكيل واقعها.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى الثابت الذي لا يتغير أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن وعي الأمة إذا اكتمل لا يمكن احتواؤه أو كسره. فالتاريخ لم يكن يومًا حكرًا على قوة عابرة، ولا على كيان طارئ، بل كان دومًا لصالح من يملك الصبر والحق والقدرة على النهوض.

وعليه، فإن المرحلة القادمة لن تُحسم بالشعارات، بل بمدى التقاء وعي الشعوب مع إرادة القيادات، في مشروع يعيد التوازن، ويستعيد الحقوق، ويؤسس لواقع جديد تكون فيه الأمة فاعلة لا مُستهدفة.

وإن غدًا لناظره قريب.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences