لم يعد التلاعب بالراي العام يعتمد على اساليب الدعاية التقليدية التي عرفناها في الحروب القديمة، اذ تحولت المنصات الرقمية الى ساحات معقدة تتداخل فيها الرسائل السياسية مع المحتوى الترفيهي السريع، مما جعل المستخدمين في مواجهة مباشرة مع تدفقات معلوماتية يصعب فرزها. وتلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي دورا محوريا في هذا التحول، حيث اصبحت قادرة على انتاج محتوى مؤثر يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، مما يطمس الفواصل بين الواقع والزيف في بيئة رقمية لا تعرف الهدوء. وتكشف الدراسات الحديثة ان علاقة المستخدم بالمعلومة اصبحت اكثر ضبابية، مع تزايد قدرة الانظمة المؤتمتة على صياغة سرديات عاطفية تجذب الانتباه وتدفع نحو المشاركة التلقائية.

وتؤكد الباحثة المتركزة في اخلاقيات الذكاء الاصطناعي الميرا زاينوتدينوفا ان الفصل بين الواقع والحياة الرقمية قد تلاشى تماما، حيث اصبحت السياسة وتشكيل الاراء تحدث في فضاء واحد مشترك. واضافت ان المحتوى المولد اصطناعيا لم يعد استثناء او حدثا نادرا، بل تحول الى عنصر اساسي في منصات التواصل الاجتماعي، بدءا من الصور المفبركة وصولا الى النصوص المؤتمتة التي تهدف الى نشر المعلومات المضللة بسرعة هائلة تفوق قدرة البشر على التحقق.

وبينت زاينوتدينوفا ان احد اخطر مظاهر هذا العصر هو ما يعرف بالدعاية الاصطناعية، وهي محتوى منخفض الجودة يتم انتاجه بكثافة عبر انظمة مؤتمتة تعتمد على التكرار واللغة العاطفية المبسطة. وشددت على ان هذا النمط يبرز بوضوح خلال التوترات الجيوسياسية الكبرى، حيث تُستخدم التقنيات الحديثة لترسيخ انطباعات عاطفية معينة لدى الجمهور، مما يساهم في تعزيز سرديات تخدم اطراف الصراع بعيدا عن الدقة والموضوعية.

تحولات الدعاية في عصر الخوارزميات

واوضحت ان ظاهرة نصوص الباستا التي تبدو في ظاهرها سليمة لغويا تمنح الحملات المنسقة قدرة فائقة على التسلل داخل النقاشات العامة دون اثارة الشكوك. واكدت ان هذه النصوص تعتمد على تراكيب متكررة وغامضة تجعل من الصعب على المستخدم العادي ادراك انه امام محتوى غير بشري، مما يعقد مهمة الرصد والتحليل للمنصات والمراقبين على حد سواء.

واشار المحلل السياسي طارق كيني شاوا الى ان هذا التدفق الرقمي السريع تسبب في حالة من التشبع المعلوماتي، مما ادى الى تشتت ادراك الجمهور للحقائق. واضاف ان الثقة في وسائل الاعلام التقليدية كانت في تراجع مستمر، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي اصبحت عملية التفريق بين الحقيقي والمصطنع مهمة شبه مستحيلة، مما يضع المستخدم في حالة دائمة من الشك والريبة.

وبين شاوا ان الفضاء الرقمي منح الجميع فرصة للوصول الى معلومات كانت محجوبة سابقا، لكنه في الوقت ذاته عرض المستخدمين لتباين حاد في المحتويات. واوضح ان الانتقال السريع من مشاهد الحروب والعنف الى محتوى ترفيهي تافه يؤدي الى حالة من اللامبالاة والتشويش، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على استجابة الجماهير للقضايا السياسية المصيرية.

تحديات الرقابة والمسؤولية الاخلاقية

واكدت زاينوتدينوفا ان التشريعات الحالية مثل قانون الذكاء الاصطناعي الاوروبي تصطدم بقيود هيكلية تجعلها متأخرة دائما عن سرعة التطور التقني. واضافت ان المنصات الرقمية تواصل مكافاة المحتوى الاكثر جذبا للانتباه بغض النظر عن محتواه او دقته، مما يجعل من الصعب ضبط ايقاع انتشار المعلومات المضللة في بيئة تعتمد على الربح والمشاهدات.

وكشفت ان ظاهرة الحظر الخفي التي تمارسها بعض المنصات تمنحها سلطة غير مرئية على الخطاب العام، حيث يتم التحكم في وصول المحتوى دون علم المستخدم. وبينت ان انظمة الاشراف على المحتوى تعاني من قصور فادح في فهم السياق والسخرية، مما يؤدي غالبا الى تقييد اصوات مشروعة بينما تنتشر حملات التضليل المنظمة دون عوائق حقيقية.

وشددت على ان المسؤولية الاخلاقية اصبحت مطلبا ملحا، اذ ان الاعتماد على الادوات التقنية وحدها لمواجهة فيضان الدعاية الاصطناعية يشبه محاولة اخماد حريق بدلو صغير. واكدت ان القيادة الاخلاقية للمنصات يجب ان تكون هي الحصن الاول، خاصة مع استمرار تحميل المستخدمين تبعات الاضرار المعرفية والمجتمعية التي تخلفها هذه الانظمة.

مستقبل الوعي في ظل الهيمنة الرقمية

واوضحت زاينوتدينوفا ان خيار الحظر الشامل قد ياتي بنتائج عكسية، حيث يؤدي الى زيادة الفضول والانتشار وفقا لما يعرف بتأثير سترايسند. واضافت ان المراهقين والشباب هم الفئة الاكثر عرضة لهذه التأثيرات، نظرا لطبيعتهم التي تميل الى كسر القيود وتجاوز الحواجز التقنية التي تضعها المنصات.

وبينت ان البيئة الرقمية اليوم تجاوزت حدود التواصل الاجتماعي لتشمل بيئات الالعاب التفاعلية مثل روبلوكس، التي اصبحت تستغل لنشر محتوى متطرف بعيدا عن اعين الرقابة التقليدية. واوضحت ان السؤال الجوهري الذي يجب ان نطرحه اليوم هو مدى حرية ارادتنا في اختيار ارائنا، في ظل خوارزميات تعمل على تشكيل وعينا بطريقة غير مرئية.

واكدت في ختام تحليلها ان اخطر انواع السيطرة هي التي تجعل الفرد يعتقد ان الافكار المزروعة فيه هي نتاج تفكيره الخاص. واضافت ان الواقع الجديد يتطلب وعيا نقديا عاليا، لاننا نعيش في مرحلة اصبحت فيها الحدود بين ما نؤمن به وما يتم ضخه في عقولنا عبر المنصات الرقمية تتلاشى يوما بعد يوم.