ساد اعتقاد طويل في الاوساط التقنية بان كابلات الالياف الضوئية تمثل الملاذ الامن والوحيد لنقل البيانات بعيدا عن اعين المتطفلين، وذلك بفضل اعتمادها على نبضات الليزر داخل انابيب زجاجية بدلا من الاشارات الكهرومغناطيسية التي يسهل اعتراضها، غير ان هذا الاعتقاد اصبح اليوم في مهب الريح مع تطور اساليب التجسس الفيزيائي التي باتت تستهدف البنية التحتية للانترنت مباشرة، واظهرت التطورات الاخيرة ان الحصانة المطلقة التي كانت توفرها هذه التقنية بدات تتلاشى امام تقنيات حديثة قادرة على التلاعب بالوسط الناقل للبيانات ذاته.
وبينت الدراسات ان عملية التنصت الضوئي تعتمد على حقيقة فيزيائية دقيقة، وهي ان الضوء لا يتطلب قطع الكابل لكي يتسرب منه، واوضحت التقارير ان المخترقين يمكنهم احداث انحناء طفيف في مسار الكابل دون كسر الزجاج، مما يؤدي الى تغيير زاوية انعكاس الضوء وتسريب جزء ضئيل من الفوتونات، واكدت التحليلات ان استخدام اجهزة استقبال حساسة يمكنها التقاط هذا الضوء المسرب وتحويله الى بيانات رقمية دون ان تلاحظ انظمة مراقبة الشبكة التقليدية وجود اي فقد في الاشارة.
وكشفت الابحاث العلمية ان الكابلات لم تعد مجرد وسيلة لنقل البيانات، بل تحولت الى ما يشبه الميكروفونات العملاقة عبر تقنية الاستشعار الصوتي الموزع، واضافت المصادر ان الموجات الصوتية المحيطة بالكابل تسبب اهتزازات مجهرية في الزجاج، مما يغير من خصائص ارتداد الضوء، وشددت على ان خوارزميات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على معالجة هذه الارتدادات واعادة تركيب المحادثات بدقة مذهلة، وهو ما يعني ان البنية التحتية للاتصالات قد تتحول الى اداة تسجل ادق تفاصيل حياتنا.
جغرافيا الصراع في اعماق البحار
وتدور المعركة الحقيقية للتجسس في اعماق المحيطات التي تحمل اكثر من 99 بالمئة من حركة المرور الدولية، واوضحت المعطيات ان وكالات الاستخبارات العالمية تمتلك قدرات للوصول المباشر الى الكابلات البحرية عند نقاط هبوطها، واضافت ان اجهزة المقسمات تقوم بنسخ كامل حركة المرور وتوجيهها الى خوادم ضخمة للتحليل والتخزين دون ان يشعر المستخدم باي تأخير، واكدت التقارير ان هذا التجسس اصبح يتجاوز السواحل ليصل الى قاع البحر عبر غواصات متخصصة مصممة للارتباط بالكابلات في الاعماق السحيقة.
وذكرت المصادر العسكرية ان هذه الغواصات تزرع اجهزة تنصت تعمل بالطاقة الذاتية على الكابلات، وتقوم هذه الاجهزة ببث البيانات لاسلكيا الى سفن قريبة او عوامات سطحية، وبينت ان هذه المهمات تعد من اعلى المهام سرية في العالم، واوضحت ان التهديدات السيادية التي تفرضها هذه العمليات تجعل من حماية الكابلات البحرية اولوية قصوى للدول في ظل تصاعد حروب التجسس الرقمي.
واشار الخبراء الى ان التشفير من طرف الى طرف لا يزال يشكل حائط صد ضد محتوى الرسائل، واضافوا ان هذا التشفير لا يمنع المتجسسين من تحليل البيانات الوصفية التي تكشف هوية المتصلين ومواقعهم، وحذروا من ان تخزين البيانات المشفرة حاليا بانتظار تطور الحواسب الكمومية يمثل خطرا مستقبليا داهما، واكدوا ان العالم يتجه الان نحو اعتماد توزيع المفاتيح الكمومية التي تدمر المعلومة بمجرد محاولة قراءتها مما يضمن كشف اي اختراق فور وقوعه.
