شهدت الساحة السياسية في اسرائيل تحولا لافتا مع عودة قوى اليسار الصهيوني للظهور مجددا تحت مظلة حزب الديمقراطيون الجديد، والذي جاء نتيجة اندماج قوى يسارية وازنة ابرزها حزبا العمل وميرتس. ويقود هذا الكيان السياسي الجديد نائب رئيس الاركان السابق يائير غولان الى جانب شخصيات بارزة مثل ميراف ميخائيلي والناشط غلعاد كاريف، في مسعى جاد لاستعادة التوازن ومنافسة احزاب اليمين التي هيمنت على المشهد لسنوات.

واكد المراقبون ان هذا التكتل يطرح نفسه كبديل ليبرالي علماني يركز على حماية المؤسسات الديمقراطية واستقلال القضاء، مع معارضة قوية لنفوذ الاحزاب الدينية المتشددة التي تغلغلت في مفاصل صنع القرار. وبينت بيانات الحزب انه يتبنى موقفا حازما ضد عنف المستوطنين ويدعو الى تعزيز الحريات المدنية، مع التمسك بضرورة ايجاد تسوية سياسية تعيد الاعتبار لفكرة حل الدولتين.

واضاف محللون ان الحزب قد يمثل رقما صعبا في اي تحالف مستقبلي يهدف الى الاطاحة بحكومة بنيامين نتنياهو، خاصة في ظل تراجع شعبية اليمين ووجود قاعدة جماهيرية تبحث عن بديل يجمع بين الخبرة الامنية والرؤية الديمقراطية. ورغم محدودية فرص اليسار في قيادة المشهد حاليا، الا ان ولادة الديمقراطيون تعكس محاولة جريئة لاعادة احياء المشروع اليساري داخل الكنيست والنقاش العام.

شخصيات قيادية ورهانات سياسية

وكشف الحزب عن وجهه الجديد من خلال شخصيات مثل الحاخام غلعاد كاريف الذي يعد اول حاخام غير ارثوذكسي يدخل الكنيست، حيث يمتلك خبرة واسعة في قضايا الهجرة والتشريعات الدستورية. واوضح كاريف في مسيرته السياسية انه كان دائما في طليعة المعارضين للتعديلات القضائية التي قادها نتنياهو، مما جعله رمزا للمقاومة البرلمانية والشعبية ضد سياسات الحكومة الحالية.

وبينت تقارير سياسية ان كاريف قاد الحركة الاصلاحية لسنوات طويلة قبل دخوله البرلمان، وهو ما منحه عمقا في المجتمع المدني وقدرة على حشد الاصوات المناهضة لليمين المتطرف. واكد المراقبون ان وجود شخصية مثل غلعاد كاريف يعزز من فرص الحزب في استقطاب شرائح واسعة من العلمانيين والباحثين عن هوية اسرائيلية ليبرالية بعيدة عن التوجهات الدينية المتشددة.

واضافت المصادر ان كاريف يركز في خطاب الحزب على ضرورة استئناف المسار السياسي مع الفلسطينيين، منتقدا بشدة التوسع الاستيطاني الذي يراه تهديدا لهوية اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية في آن واحد. وتعتبر هذه المواقف جزءا من استراتيجية الحزب لجذب الناخبين الذين يشعرون بخيبة امل من المسار اليميني الحالي.

تحديات التحالف ومستقبل نتنياهو

واظهرت تحليلات الخبير السياسي عكيفا الدار ان تحالف الديمقراطيون يمثل محاولة لاستنهاض معسكر اليسار الصهيوني بعد سنوات من التشتت، معتمدا على خطاب يمزج بين الامن والمساواة. واشار الدار الى ان اللواء يائير غولان يمنح هذا التحالف زخما خاصا بفضل صورته كقائد ميداني شارك في الدفاع عن المستوطنات، مما يجعله مقبولا لدى قطاعات واسعة من المجتمع الاسرائيلي.

ووضح الدار ان استطلاعات الرأي تمنح التحالف الجديد نحو عشرة مقاعد، وهو رقم كاف لاحداث تغيير في موازين القوى داخل الكنيست، مما يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار حكومة نتنياهو. وشدد على ان نجاح هذا الحزب لا يعتمد فقط على قاعدته الشعبية، بل على قدرته على التنسيق مع باقي قوى المعارضة لتقديم بديل متماسك للناخب الاسرائيلي.

وبين المحللون ان التشكيك لا يزال سيد الموقف حول قدرة هذا التحالف على احداث تغيير جذري، نظرا لغياب رؤية موحدة بين احزاب المعارضة بشان ملفات الصراع الكبرى. واكدوا ان التركيز الحالي ينصب على اسقاط نتنياهو كهدف استراتيجي، بينما تظل الرؤية المتعلقة بمستقبل الضفة الغربية والسياسة الخارجية قيد النقاش والغموض.

مستقبل اليسار الصهيوني بين الواقع والطموح

واوضح الباحث انطوان شلحت ان الحديث عن عودة اليسار الصهيوني يحتاج الى قراءة دقيقة، اذ ان هذا التيار فقد الكثير من تأثيره التاريخي منذ سنوات طويلة. واشار شلحت الى ان التحالف الحالي هو مجرد محاولة لترميم بقايا حزبي العمل وميرتس، وليس عودة لليسار بمفهومه التقليدي الذي ساد في فترات سابقة.

واضاف شلحت ان التحدي الاكبر الذي يواجه الديمقراطيون هو ان خطابهم لا يزال يدور في فلك الحفاظ على هوية اسرائيل الصهيونية، دون تقديم حلول جذرية للصراع. وبين ان غولان يركز بشكل اساسي على الجوانب الامنية، مما يجعل البرنامج الانتخابي للحزب يتشابه في بعض جوانبه مع توجهات الوسط الاسرائيلي اكثر من كونه يسارا راديكاليا.

واكد شلحت ان نتنياهو لا يزال يمتلك خيارات للبقاء في السلطة، منها توسيع نطاق العمليات العسكرية او اعادة ترتيب اوراق ائتلافه الحكومي. واشار الى ان المعارضة رغم قوتها العددية في الاستطلاعات، الا انها تفتقر الى القيادة الموحدة والبرنامج الذي يمكنه اقناع الجمهور الاسرائيلي بالتغيير الشامل في ظل ظروف الحرب والتوتر الداخلي.