تشهد الساحة الليبية حراكا دبلوماسيا امريكيا متسارعا يثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في البلاد. وتأتي هذه التحركات في اعقاب صدور التوصيات النهائية للحوار المهيكل الذي رعته الامم المتحدة مؤخرا، مما عزز الاعتقاد بان واشنطن بدات فعليا في وضع اللمسات الاخيرة لمبادرة سياسية تهدف الى اعادة ترتيب هيكل السلطة التنفيذية في ليبيا التي تعاني من انقسام مؤسسي حاد منذ سنوات. وتستند هذه المبادرة التي ينسبها مراقبون الى مستشار الرئيس الامريكي للشؤون الافريقية مسعد بولس الى خلق تفاهمات واقعية بين الشرق والغرب، عبر صيغة تقاسم سلطة جديدة تتضمن دمج شخصيات بارزة في مناصب قيادية مع الحفاظ على استمرارية الحكومة الحالية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
واكد رئيس حزب الكرامة الليبي يوسف الفارسي ان النشاط الدبلوماسي المكثف للقائم بالاعمال الامريكي جيريمي برنت بين طرابلس وبنغازي يعكس جدية واشنطن في المضي قدما نحو تنفيذ هذه المقترحات. واضاف الفارسي ان الولايات المتحدة تعمل بشكل متواز على المسارين العسكري والاقتصادي، حيث تسعى لتهيئة مناخ ملائم يضمن استقرار اي تسوية سياسية مرتقبة، مشيرا الى ان ما يحدث على الارض يتجاوز مجرد اللقاءات البروتوكولية ليصبح مسارا اجرائيا ملموسا.
وبينت التحركات الميدانية ان الجانب الامريكي يركز بشكل كبير على توحيد المؤسسة العسكرية، حيث عقد برنت لقاءات منفصلة مع قيادات من شرق وغرب البلاد، شملت رئيس اركان القوات في طرابلس صلاح الدين النمروش ورئيس اركان الجيش الوطني خالد حفتر. وشدد الجانب الامريكي خلال هذه الاجتماعات على ضرورة تطوير التعاون العسكري وتوحيد الجهود الدفاعية، وهو ما يراه الخبراء حلقة ضمن سلسلة خطوات بدات بتنسيق الانفاق والميزانية الموحدة بين السلطتين في بنغازي وطرابلس، في سابقة لم تشهدها البلاد منذ اكثر من عقد من الزمن.
ابعاد اقتصادية وتحديات معقدة
وكشفت الجولات الاخيرة عن اهتمام امريكي واضح بالملف الاقتصادي، حيث ناقش برنت مع مسؤولي صندوق التنمية واعادة الاعمار في بنغازي سبل تنفيذ الميزانية الموحدة وتشجيع الاستثمارات الاجنبية لضمان توزيع عادل للثروة. واوضح مراقبون ان هذا التوجه يهدف الى تثبيت اركان الدولة عبر بوابة التنمية، خاصة مع التركيز على قطاع النفط وزيادة الانتاج، وهو ما ظهر جليا في لقاءات القائم بالاعمال مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط لبحث حماية البنية التحتية للطاقة.
واشار الناشط السياسي عمر بوسعيدة الى ان المبادرة لا تزال تصطدم بتعقيدات داخلية واقليمية، حيث تتقاطع اجندات القوى المؤثرة في طرابلس لعرقلة اي تغيير يمس مراكز النفوذ الحالية. واضاف ان الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة الاطراف الليبية على التوافق على جسم تنفيذي موحد يحظى بقبول وطني واسع، مؤكدا ان الطريق لا يزال محفوفا بالمخاطر السياسية التي تتطلب حكمة في ادارة التوازنات الدقيقة.
وذكر رئيس تجمع تكنوقراط ليبيا اشرف بلها ان الملفات الخلافية ما تزال عالقة، خاصة ما يتعلق بمعايير اختيار الحكومة المقبلة وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة. واكد بلها في تحليله ان التوصل الى تفاهمات ليبية شاملة يبدو صعب المنال دون وجود ضغط دولي فاعل، مشبها الوضع الحالي بظروف تشكيل السلطة التنفيذية السابقة التي جاءت نتاج توافقات دولية برعاية اممية، لافتا الى وجود معلومات حول تحضيرات لاجتماع دولي مرتقب في النرويج لضمان دعم دولي واسع لهذا المسار.
التكامل بين المسارات الدولية
واظهرت التصريحات الاخيرة لمستشار الرئيس الامريكي مسعد بولس حرص واشنطن على اظهار تكامل جهودها مع خريطة طريق بعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا. واوضح بولس في لقائه مع المبعوثة الاممية هانا تيتيه ان الهدف هو ضمان عملية سياسية يقودها الليبيون بانفسهم، معتبرا ان التحركات الامريكية تأتي لتعزيز وتسهيل المسار الاممي وليس لاستبداله، مما يعكس استراتيجية امريكية تعتمد على ادارة الانقسام الحالي بدلا من فرض حل نهائي مفاجئ.
واكد الباحث في الشؤون الافريقية عبد الله فارس القزاز ان واشنطن تركز في هذه المرحلة على بناء اطار عمل مستقر للدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها الحيوية. واضاف ان التحركات الامريكية تهدف الى اعادة تنظيم موازين القوى في الداخل الليبي لتفادي حدوث فراغ سياسي، مشددا على ان واشنطن تسعى لتهيئة الارضية المناسبة لاستقرار طويل الامد بعيدا عن الصراعات الحادة التي ميزت المشهد الليبي في السنوات الماضية.
وبينت مجريات الاحداث ان الاسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح المبادرة الامريكية في احداث اختراق سياسي ملموس. واكدت المصادر ان التنسيق بين واشنطن والامم المتحدة سيستمر عبر جلسات مجلس الامن القادمة، حيث ستقدم البعثة الاممية تقريرها حول مخرجات الحوار المهيكل، مما يضع الاطراف الليبية امام استحقاق تاريخي للقبول بصيغة تقاسم السلطة الجديدة او مواجهة مزيد من الضغوط الدولية لفرض واقع سياسي جديد.
