تلاشت ملامح الصيف المعتادة في قطاع غزة حيث حلت طوابير المساعدات والخيام المتهالكة محل الساحات والملاعب التي كانت تعج بحركة الاطفال في مثل هذا الوقت من كل عام. وتعيش العائلات النازحة واقعا مريرا اذ تحولت ايام الصيف الطويلة من موسم للترفيه والتعلم الى رحلة بحث يومية عن ابسط مقومات الحياة وسط حرارة الشمس القاسية وغياب اي مساحات امنة للعب او التفريغ النفسي. وتكشف المعطيات الميدانية عن انقطاع شبه تام للمنظومات المؤسسية التي كانت ترعى الانشطة الصيفية سابقا مما جعل الاطفال يواجهون تبعات الحرب بمفردهم دون اي غطاء ترفيهي او تعليمي.
واضاف متطوعون ان محاولات فردية بسيطة بدات تظهر من رحم المعاناة في محاولة يائسة لاحياء روح المخيمات الصيفية بامكانيات تقترب من الصفر. وشدد هؤلاء على ان الهدف الاساسي يتجاوز مجرد التسلية ليصل الى محاولة ترميم ما يمكن من نفسيات الاطفال الذين صدمتهم قسوة النزوح المستمر وفقدان الامان في خيام لا تقي من برد ولا تحمي من حر.
جرعات فرح وسط الركام
وبين احمد النجار صاحب مبادرة قادرين نغير ان الفعاليات التي ينظمونها باتت متباعدة ومحدودة جدا بسبب غياب الدعم اللوجستي والمادي. واكد انهم يكافحون في ظروف معقدة للغاية حيث لا تتوفر ادنى متطلبات النشاط الترفيهي من مظلات او العاب حقيقية في ظل استمرار القصف والنزوح الذي يلاحق الجميع.
واشار النجار الى ان هذه المبادرات نجحت في الوصول الى مئات الاطفال في مختلف مناطق القطاع من الشمال الى الجنوب. واوضح ان الانشطة لم تقتصر على الصغار بل امتدت لتشمل الشباب والخريجين الذين فقدوا فرصهم الدراسية والمهنية. واكد ان استقطاب هذه الطاقات الشابة ساعد في تحويل مشاعر الاحباط الى قوة دافعة لاستمرار هذه الانشطة الترفيهية المحدودة.
مؤسسات مدمرة واطفال محاصرون
وذكر محمد النزلي صاحب مخيم انامل التعليمي ان مؤسسته التي كانت تستوعب المئات قبل الحرب تحولت الى ركام بفعل القصف. واضاف انهم حاولوا استئناف النشاط بحدود دنيا داخل مركز متواضع الا ان حجم الاستيعاب انخفض بشكل حاد نتيجة غياب الامان التام. وبين ان الاهالي اصبحوا يخشون ارسال اطفالهم بسبب انعدام المواصلات والمخاطر المحدقة بالطرقات.
واكدت نجلاء القدرة وهي ام نازحة ان اطفالها يعانون من ضيق مستمر نتيجة الحبس داخل الخيام. واضافت ان الفعاليات المتقطعة التي تصلهم توفر لحظات فرح عابرة لا تلبث ان تنتهي ليعود الصغار الى دوامة الملل والقلق. وشددت على ان الحل الجذري لا يكمن في المبادرات المؤقتة بل في استعادة حياة طبيعية بعيدة عن تهديدات الحرب والنزوح.
تداعيات نفسية عميقة
وكشفت استشارية الدعم النفسي هنادي سكيك ان غياب الانشطة المنظمة يترك الاطفال في مواجهة مباشرة مع صدمات الحرب دون ادوات تفريغ. واكدت ان هذه الحالة تؤدي الى شلل في النمو الاجتماعي للاطفال وتدفعهم نحو الانعزال واضطرابات السلوك. وبينت ان غياب المساحات المشتركة يمنع الاطفال من اكتساب مهارات التواصل وبناء العلاقات مع اقرانهم.
واوضحت سكيك ان المقارنات التي يعقدها الاطفال عبر الهواتف بين واقعهم المأساوي وحياة اقرانهم في الخارج تعمق شعورهم بالدونية. وشددت على ان هذه الفجوة النفسية تولد اسئلة قاسية وتراكمات من الغضب والاحباط لدى جيل كامل يعيش تحت الضغط. واكدت ان استمرار هذا الوضع دون تدخلات حقيقية يهدد الاستقرار النفسي للنشء على المدى البعيد.
