بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في زمنٍ أصبحت فيه بعض المواقع والمسؤوليات تضع حواجز بين المسؤول والمواطن، يبقى هناك من يثبت أن المنصب لا يصنع الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يعطي للمنصب قيمته وهيبته.
ومن هؤلاء معالي السيد يوسف العيسوي، رئيس الديوان الملكي الهاشمي، الذي يستحق أن يُنصف، لا لأنه يشغل موقعًا مهمًا في الدولة فحسب، بل لما عرف عنه من تواضع جم، وأدب رفيع، وأخلاق عالية، وسعة صدر قلّ أن نجدها في مواقع المسؤولية.
العيسوي لا يتعامل مع الناس من برجٍ عالٍ، ولا ينظر إلى المواطن من خلال موقعه الاجتماعي أو السياسي أو قدرته على التأثير. يلتقي الجميع بروح واحدة، ويستمع للجميع باهتمام، ويحاول أن يكون على مسافة واحدة من الجميع، مؤمنًا بأن أبواب الدولة يجب أن تبقى مفتوحة أمام أبنائها.
ولعل أجمل ما يميز هذه الشخصية أن الديوان الملكي في عهده لم يعد في نظر كثير من الأردنيين مكانًا مغلقًا أو بعيدًا عن هموم الناس، بل أصبح بابًا يلجأ إليه المواطن، ويجد فيه من يسمعه ويستقبل قضيته باهتمام.
وقد يختلف الناس في تقييم المواقف والقرارات، وهذا أمر طبيعي في الحياة العامة، لكن الإنصاف يقتضي أن نقول كلمة حق في رجلٍ يتحمل من الضغوط والطلبات والانتقادات ما قد لا يحتمله كثيرون.
فالمسؤول الذي يفتح بابه للناس، ويستمع إلى شكواهم، ويتحمل انفعالاتهم، ويستقبل صاحب الحاجة كما يستقبل صاحب المكانة، إنما يمارس المسؤولية بمعناها الإنساني قبل معناها الوظيفي.
يوسف العيسوي، في تعامله مع الأردنيين، يبعث برسالة واضحة: المسؤولية ليست امتيازًا، وإنما أمانة وخدمة للناس.
وربما كان أكثر ما يلفت في شخصيته ذلك الهدوء الذي يرافق حضوره، والابتسامة التي لا تفارق وجهه، والقدرة على الاستماع حتى في أصعب الظروف. لا يتعجل في الحكم على الناس، ولا يجعل اختلاف الرأي سببًا لإغلاق الأبواب.
ولذلك فإن عبارة «لا يعرف كلمة لا» قد تكون أقرب وصف لما يراه كثيرون في أسلوبه؛ فهو يبحث عن الممكن، ويحاول إيجاد الحل، ويستمع قبل أن يجيب، حتى عندما تكون القضية صعبة أو الإمكانات محدودة.
وهنا لا بد من التفريق بين الإنصاف والتطبيل.
فالإنصاف أن نقول للمحسن أحسنت، وأن نعترف بالصفات الطيبة حين نراها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤول يتعامل يوميًا مع آلاف القضايا والطلبات والناس.
إن الحديث عن أخلاق المسؤول ليس ترفًا، لأن أخلاق المسؤول جزء من صورة الدولة، وطريقة تعامله مع المواطن تعكس احترام الدولة لهذا المواطن.
ومن هنا، فإن الحديث عن يوسف العيسوي ليس حديثًا عن منصب، وإنما عن سلوك.
سلوك رجل اختار أن يجعل من بابه المفتوح وسيلة للتواصل، ومن الاستماع للناس منهجًا، ومن التواضع أسلوبًا، ومن الصبر على الناس واجبًا.
وقد يخطئ المسؤول، وقد لا يستطيع تحقيق كل ما يطلب منه المواطن، وهذه طبيعة العمل العام، لكن قيمة المسؤول تظهر أيضًا في كيفية تعامله مع من لم يستطع مساعدته.
وهنا تكمن أهمية الأدب وسعة الصدر.
فليس أصعب على الإنسان من أن يسمع شكوى لا يستطيع حلها، أو طلبًا لا يملك تلبيته، أو غضبًا سببه ظروف المواطن، ثم يبقى محافظًا على هدوئه واحترامه.
وهذا ما يجعل العيسوي، في نظر من تعاملوا معه، نموذجًا للمسؤول الذي لم تسمح له المسؤولية بأن يفقد إنسانيته.
نحن بحاجة إلى أن نقول كلمات الإنصاف في وقتها، لا أن ننتظر غياب الرجال حتى نكتشف قيمتهم.
يوسف العيسوي… شكرًا لأنك جعلت من الأدب جزءًا من المسؤولية، ومن التواضع لغةً في التعامل، ومن باب الديوان الملكي بابًا مفتوحًا أمام الأردنيين.
وقد نختلف في الرأي، وقد نختلف في التقييم، لكن تبقى كلمة الحق واجبة:
يوسف العيسوي ليس بحاجة إلى شهادة من أحد، وموقعه لا يحتاج إلى من يزينه بالكلمات، لكن من حق الرجل علينا، ومن حق الإنصاف علينا، أن نقول كلمة طيبة حين تكون الكلمة الطيبة مستحقة
.
نعم - العيسوي من الذين جعلوا للأخلاق مكانًا في المسؤولية
حمى الله الأردن وحفظ قيادته الهاشميه الحكيمه من كل مكروه وسوء
