خاص - في المدونة الأردنية لرجالات العهد الأردني لأكثر من نصف قرن، يحفر اسم دولة عبد الرؤوف الروابدة كواجهة سياسية وليس كإسم فقط تمترس عميقا في المسميات والألقاب والمناصب، بل يذهب اعمق باتجاه شخوص كان لهم ادارة بوصلة القرار الأردني كمرجعية لرأس هرم البلاد، ولمؤسسات الدولة لا سيما تلك التي وقف على ادارتها بحكم وجوده على رأس هرمها.
دولة (ابو عصام) وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، ترك اثرا اعتبره محللو الشأن السياسي بأنه لبنة لكثير من المشروعات الوطنية، والحديث هنا عن شخصية وطنية امتد حضوره في مفاصل الدولة الأردنية منذ اواخر السبعينيات عضوا في المجلس الوطني الاستشاري الأول والثاني والثالث وليتبعها مطلع الثمانينيات بدورات نيابية وفي مجالس أعيان عدة، إلى أن تسلم عمدة معشوقته عمان آواخر الثمانينيات، وليتسلم بعدها حقائب وزارية عدة في مؤشر جلي واضح انه ليس مجرد شخص بل طاقة متحركة أهلته لاستلام اكثر من وزارة من صحة وتعليم وأشغال ونقل وليتقلد سدة رئاسة الوزراء بتشكيل اول حكومة في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني عام 1999.
يتفق المراقبون والمتتبعون لشخص عبد الرؤوق الروابدة بأنه شخصية جدلية، لقيت الكثير من الاحترام والكثير من الانتقاد، بل راحت بعض الانتقادات الى النيل منه لوما او عتابا او حتى اجحافا بحقه ، لكنه ابدا لم يلجأ الى منهج الاصطدام، حيث تسبق افعاله أقواله، يُعالج الخطأ بالدخول الى مكمنه ويترك القشور للمدعين والمتشدقين بمصالح الأوطان، ونجح صاحب لقب (البلدوزر) في نيل احترام خصومه ومريديه بذات الوتيرة، لما يتسم به من أسلوب صريح وقوي في الطرح والاشتباك مع القضايا موضع الاختلاف، ولتجده القريب والحاضر في الصالونات السياسية بمختلف اطيافها، ومع الشارع بمختلف منابته، لما عُرف عنه بالتواصل المستمر مع أبناء الشعب والمشاركة في المناسبات الاجتماعية والوطنية، ولتجد كل من التقاه يطلق عليه لقب (صديقي) ابو عصام، وطوال مسيرته المناصبية ان جاز التعبير، تميز بقدرته على الموازنة في الأزمات والتمسك بمواقف واضحة تجاه القضايا الوطنية التي تتلاءم وتتوافق مع نهج الدولة الاردنية ولا عجب وهو رجل الدولة القريب من صناع القرار، لتجيئ هذه المواءمة تطبيقا لخبراته السياسية لا مجاملة او رياء.
في الجدل الراهن حول الاشتغال وتعريف السردية الأردنية واختلاف اهل الاختصاص حول فحواها ومضامينها، قطع دولة ابو عصام قول كل متحدث ورأي كل متردد باختزاله للسردية الوطنية قبل السردية بمعناها الاصطلاحي، وفاجأ جموع المثقفين والسياسيين والإعلامييين مؤخرا في ندوة سياسية مختصة بالسردية الأردنية، واضعا الأردنيين أمام سرديتهم الأصيلة، كأيقونة تمثل الأساس لفهم الهوية الوطنية وترسيخ منظومة القيم الجامعة لجميع الأردنيين فالأردن بحسبه قام على رؤية وطنية وعروبية واضحة أسهمت في تثبيت وجوده المستقل وتعزيز دوره الفاعل في محيطه الإقليمي، فالسردية بحسب وجهة نظر بلدوزر السياسية الأردنية لا تقتصر على سرد الوقائع التاريخية، بل تشكل منظومة فكرية وقيمية تعكس قدرة الأردن على بناء دولة مستقرة ومتينة ذات بيئة سياسية واجتماعية صنعها تاريخ وجغرافية الوطن الاردني والذي انتج الشخصية الوطنية الأردنية بملامحها التي تشبه الهاشميين بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من تمسكه بمفهوم الهوية الاردنية الجامعة، لا يتوانى بذات السياق عن اثبات هويته الجامعة كأردني قبل ان يكون قامة سياسية، لم يتخلى يوما عن اعلان موقفه من القضية الفلسطينية فموقفه يتجلى ويتماهى ويستند لموقف الهاشميين، فالقضية الفلسطينية كما يراها الروابدة هي قضية الأردن المركزية والخاصة، رفض الاردن ازاءها نهج المساومة، وتصدى لكل المحاولات الممنهجة للمساس بدوره في حفظ مكانته وارثه بالوصاية على المقدسات الدينية على اراضي غربي النهر.
وفي إرث سيرة ومسيرة الروابدة، يراه المقربون والمراقبون رجل دولة بطابع شعبي بسبب تواضعه وبساطته وقربه من الناس رغم مكانته السياسية الرفيعة، يتحدث مع جليسه كأنه جاره أو صديق طفولته على فطرته الإنسانية وبشاشة وجهه، وفي موقع اخر، تجده الحازم الصارم بأرائه طالما كان الشأن أردنيا، يتمتع بكاريزما رجل الدولة، يناقش الشأن السياسي بعقلانية وحنكة، ليقنع الطرف الاخر ان لا اختلاف حتما في الرأي والموقف اذا صب في معادلة كيف تكون اردنيا !!
