سجل التضخم في بريطانيا قفزة ملحوظة خلال شهر يوليو لتصل اسعار المستهلكين الى اعلى مستوى لها في اربعة اشهر مدفوعة بشكل رئيسي بالزيادات المتتالية في فواتير الطاقة المنزلية. كشفت بيانات مكتب الاحصاءات الوطنية ان مؤشر اسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 2.9 بالمئة على اساس سنوي متجاوزا التوقعات السابقة ومسجلا وتيرة هي الاعلى منذ مارس الماضي. واظهرت هذه الارقام ان الضغوط التضخمية لا تزال حاضرة بقوة في الاقتصاد البريطاني رغم وجود بعض المؤشرات على تباطؤ اسعار الخدمات والمواد الغذائية مما يضع صناع السياسة النقدية في بنك انجلترا امام مشهد معقد لاتخاذ قراراتهم المقبلة.
واكد خبراء الاقتصاد ان هذه القراءة جاءت متوافقة مع التوقعات العامة لكنها تجاوزت تقديرات البنك المركزي الذي كان يراهن على مستويات ادنى من ذلك. واضاف المحللون ان التضخم الاساسي الذي يستبعد العناصر المتقلبة مثل الطاقة والغذاء استقر عند مستوى 2.6 بالمئة مما يشير الى ان الضغوط الداخلية لا تزال تفرض تحديات هيكلية على الاسعار. وبينت البيانات ان استقرار هذا المؤشر يعكس حالة من الترقب والحذر لدى الاسواق في انتظار الخطوات التالية من قبل البنك المركزي.
ووضحت التقارير ان القفزة الاخيرة في التضخم ترجع بشكل اساسي الى قرار هيئة تنظيم الطاقة برفع سقف الاسعار بنسبة 13 بالمئة وهو ما انعكس مباشرة على جيوب المستهلكين. واشارت المعطيات الى ان اسعار الغاز الطبيعي شهدت تصاعدا كبيرا في غضون شهر واحد في اكبر زيادة منذ اربع سنوات نتيجة للتوترات الجيوسياسية العالمية التي بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على تكاليف المعيشة في بريطانيا. وشدد المراقبون على ان هذا الارتفاع كان متوقعا بعد ان استنفدت آلية سقف الاسعار قدرتها على حماية المستهلكين من تقلبات السوق العالمية.
استجابة السوق ومستقبل اسعار الفائدة
وكشفت التطورات الاخيرة ان قطاعات اخرى ساهمت في تخفيف حدة الصدمة حيث سجلت اسعار وقود السيارات وتذاكر الطيران انخفاضا ملموسا خلال الشهر نفسه. واضافت البيانات ان تضخم الخدمات الذي يعد مؤشرا رئيسيا يراقبه بنك انجلترا تراجع الى 3.4 بالمئة بدلا من 3.6 بالمئة. واوضحت ان تباطؤ تضخم الاغذية والمشروبات الى ادنى مستوى منذ سبتمبر 2021 يمنح بعض الامل في احتواء موجة الغلاء الحالية.
واكدت بيانات منفصلة ان الضغوط السعرية في قطاع الانتاج بدأت في التراجع ايضا حيث انخفضت اسعار مدخلات المصانع بنسبة 1.7 بالمئة على اساس شهري. وبينت ان اسعار المنتجات النهائية خرجت من المصانع بزيادة طفيفة مما يشير الى ان المصنعين يجدون صعوبة في تمرير كامل تكاليف الطاقة الى المستهلك النهائي. واضاف الخبراء ان هذا التباطؤ في قطاع الانتاج يعد علامة ايجابية على ان الاقتصاد قد يبدأ في استيعاب هذه الصدمات دون مزيد من التصعيد في الاسعار.
واظهرت ردود فعل الاسواق المالية ان الجنيه الاسترليني شهد تحركات محدودة بعد صدور البيانات حيث لم يغير المتعاملون رهاناتهم بشكل جذري حول قرارات الفائدة القادمة. وشدد محللون على ان بنك انجلترا يجد نفسه في موقف صعب بين محاولة كبح التضخم وبين الرغبة في عدم الاضرار بالنمو الاقتصادي الهش. واكدت يائيل سيلفين كبيرة الاقتصاديين ان ضعف سوق العمل يساهم حاليا في الحد من انتقال صدمة الطاقة الى تكاليف اوسع في الاقتصاد مقارنة بما كان عليه الوضع في سنوات سابقة.
