يواجه النازحون في قطاع غزة واقعا معيشيا مريرا دفعهم إلى التخلي عن مقتنياتهم الشخصية وذكرياتهم الثمينة في محاولة يائسة لتأمين لقمة العيش. وتكشف المعطيات الميدانية عن تحول الخيام إلى ساحات للبيع العشوائي حيث يعرض السكان ملابسهم وأدواتهم المنزلية البسيطة مقابل الحصول على حصص غذائية أو مبالغ زهيدة لشراء مستلزمات أطفالهم. وبينما تتفاقم حدة المجاعة بسبب القيود المفروضة على المعابر تلاشت قيمة الممتلكات أمام الحاجة الملحة للبقاء على قيد الحياة.

واكد نازحون في اسواق الخردة المنتشرة شمالي القطاع ان الدافع وراء هذا البيع القسري ليس الربح بل توفير الخبز والحليب للاطفال الذين يواجهون ظروفا صحية ومعيشية كارثية. واضاف هؤلاء ان المساعدات المحدودة التي تصل لا تغطي الاحتياجات اليومية الاساسية مما يضطر العائلات لبيع كل ما تملك بما في ذلك ما كان يمثل لهم قيمة عاطفية في السابق. واوضح الكثيرون انهم باتوا يعيشون يوما بيوم في ظل غياب اي افق لنهاية هذه الظروف القاسية.

رحلة البحث عن القوت وسط الركام

وبينت احدى النازحات التي فقدت منزلها ان حياتها باتت مقتصرة على توفير ابسط مقومات البقاء بعد ان باعت كل اثاثها وملابس عائلتها لمواجهة البرد والجوع. واشارت الى انها تضطر للصيام مع زوجها لعدة ايام لضمان حصول اطفالها على وجبات قليلة بينما تفتقر خيمتهم لابسط مستلزمات المواليد الجدد. واكدت ان المعاناة تتضاعف مع انعدام وصول المياه الصالحة للشرب مما يضطرهم للجوء الى مياه البحر كبديل اضطراري.

واوضح نازح اخر يعمل في جمع المعادن من ركام المنازل المدمرة ان المخاطر لا تقتصر على الجوع فقط بل تمتد لتشمل انتشار القوارض والزواحف التي تغزو الخيام وتفسد ما تبقى من طعام. وشدد على ان محاولات العودة الى المناطق السكنية السابقة تواجه بتهديدات مباشرة بالقصف واطلاق النار. وكشف ان عائلات باعت مدخراتها من الذهب وحتى اجهزة الاتصال التي كانت تمثل وسيلتهم الوحيدة للبقاء على تواصل مع العالم.

ازمة انسانية غير مسبوقة

وذكرت ام لاربعة اطفال ان الحياة داخل الخيام تحولت الى جحيم يومي بسبب التلوث والازدحام وانتشار الامراض المعدية. واضافت ان الحصول على وجبة من التكايا الخيرية اصبح مهمة شاقة لا تضمن سد رمق افراد الاسرة خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة منهم. وناشدت المنظمات الدولية بضرورة التدخل العاجل لانهاء حالة التدهور التي تفتك بالنازحين.

واظهرت تقارير اممية حديثة ان الغالبية العظمى من سكان القطاع يعتمدون بشكل كلي على المساعدات الخارجية في ظل انهيار تام لشبكات الامان الاجتماعي. واكدت الامم المتحدة ان ملايين السكان بحاجة ماسة للمأوى والغذاء في ظل مستويات كارثية من الجوع تهدد حياة الاطفال والنساء. وبينت الاحصائيات ان اربعة من بين كل خمس عائلات تعاني من انعدام الامن الغذائي الحاد مما ينذر بكارثة انسانية تتطلب تحركا دوليا فوريا.