بقلم المحامي حسام العجوري
بالتدريج يشتعل الصراع… حدثٌ يتبعه حدث، واستفزازٌ يجرّ استفزازًا، وخطابٌ مذهبي يتسع كل يوم، حتى تبدو المنطقة وكأنها تُدفع دفعًا نحو حرب مفتوحة.
لكن أخطر الحروب لا تبدأ عندما ينطلق الصاروخ.
تبدأ عندما يتغير ما في رأسك.
حين تُزرع الكراهية، ويُعاد تعريف العدو أمامك، ويُختزل الصراع في المذهب والطائفة، يصبح من السهل تحويل الإنسان إلى وقود لمعركة لم يخترها.
يُغذّى الغضب، تُستدعى الجراح، تُرفع الشعارات، ثم يُطلب من الناس الاصطفاف خلفها.
وفي النهاية، يسير الجميع نحو غرفة الذبح وهم يعتقدون أنهم يسيرون نحو النصر.
هذه هي وظيفة الحرب المذهبية: أن تجعل أبناء المنطقة يستنزفون بعضهم بعضًا.
جيوش تُنهك، أسلحة تُستهلك، اقتصادات تتراجع، ثروات تُهدر، ومدن وأجيال تدفع الثمن.
وكلما طال الصراع، تراجعت قوة المنطقة وانشغلت دولها في مواجهة بعضها، بدل توجيه مواردها نحو البناء والأمن والتنمية.
ثم تأتي الأخطر: إدخال مكة في دائرة التصعيد.
قبل أيام دوّت صافرات الإنذار في مكة على خلفية تهديد جوي، بالتزامن مع خطاب تصعيدي تضمن دعوة من أحد الأطراف إلى الحوثيين لاستهداف مكة.
عندما يصل الخطاب إلى هذا المستوى، لا يعود الأمر مجرد سجال سياسي.
إدخال مكة في خطاب الحرب، واستدعاء المقدسات إلى صراع مذهبي، يمكن أن يحوّل أي مواجهة إلى فتنة تتجاوز حدود الدول والطوائف.
وهنا تبدو خطورة المسار: استفزاز، ثم غضب، ثم تحريض، ثم انتقام، ثم حرب طائفية واسعة.
إن تتابع هذه الأحداث والخطابات يثير مخاوف جدية من تعمد دفع المنطقة نحو الفتنة المذهبية، وكأن مقدمات الصراع يجري إعدادها ودفعها خطوة بعد خطوة، حتى تصبح الشعوب جاهزة للاشتباك مع بعضها واستنزاف قوتها.
ومكة تحديدًا لا تحتمل أن تكون جزءًا من لعبة كهذه.
مكة ليست ورقة تفاوض، ولا هدفًا عسكريًا، ولا ساحة لتصفية الحسابات.
إنها قبلة المسلمين، وأي تهديد يطالها أو يوظفها في التحريض يمكن أن يشعل غضبًا يتجاوز حدود المنطقة كلها.
لذلك فإن المعركة الحقيقية هي معركة الوعي.
لا تسمح لأحد أن يختار لك عدوك على أساس المذهب.
لا تمنحه عقلك ليزرع فيه الكراهية، ثم يستخدم غضبك وقودًا لحربه.
فهم لا يحتاجون دائمًا إلى تدمير قوتك؛ يكفي أن يدفعوك إلى استخدامها ضد نفسك.
استنزاف الجيوش، إنهاك الاقتصادات، تفتيت المجتمعات، وإشعال الفتنة… كل ذلك قد يحوّل المنطقة إلى الخاسر الأكبر.
ولهذا يجب أن ننتبه قبل فوات الأوان:
أخطر الحروب تبدأ داخل عقلك… ثم يقودونك إلى الحرب التي اختاروها لك.
وحين تصبح مكة جزءًا من هذا المسار، فإن الخطر لم يعد على دولة أو جماعة وحدها…
بل على المنطقة بأكملها.
