تشهد باحات المسجد الاقصى المبارك تحولات ميدانية متسارعة تهدف الى فرض واقع جديد يتجاوز مجرد الاقتحامات التقليدية وصولا الى محاولة تغيير الهوية الدينية للقبلة الاولى للمسلمين. وتكشف المعطيات الميدانية ان سلطات الاحتلال استغلت موسم الاعياد اليهودية الاخير لتنفيذ سلسلة من الاجراءات التي تعزز وجودها داخل الحرم القدسي وتكرس طقوسا تلمودية كانت تعد في السابق من المحظورات. واظهرت التحليلات ان المسجد تحول في نظر جماعات الهيكل ومؤسسات الاحتلال الرسمية الى ما يشبه المعبد الذي يمارس فيه المستوطنون طقوسهم بحماية امنية مشددة بينما يتم تقييد دخول المصلين الفلسطينيين بشكل صارم.
واكد الباحث المختص بشؤون القدس زياد ابحيص ان الاحتلال نجح في فرض هوية يهودية دينية توازي الهوية الاسلامية داخل المسجد من خلال سياسة تراكمية مدروسة. واضاف ان هذه التحركات لم تكن عفوية بل جاءت ضمن خطة استراتيجية تستغل انشغال العالم بالازمات الاقليمية لتنفيذ اجندة التهويد. وبين ان الهدف الاساسي هو تحويل المسجد الاقصى الى مقدس مشترك بالقوة عبر فرض ممارسات طقوسية علنية تتجاوز حدود الاقتحام الى ممارسة كامل الشعائر الدينية.
واوضح ابحيص ان من ابرز الطقوس التي جرى تكريسها نفخ البوق بشكل متكرر كاعلان للسيادة واداء صلوات الاستغفار السيليحوت اضافة الى السجود الملحمي على الارض. واشار الى ان الاحتلال سمح بادخال كتب الصلوات والملابس التوراتية الكاملة للمستوطنين وهو ما يمهد الطريق لجعل الصلاة اليهودية جزءا طبيعيا من المشهد اليومي داخل باحات المسجد. وشدد على ان هذه الخطوات التدريجية تستهدف الوصول الى مرحلة التقسيم المكاني الفعلي للمسجد.
ابعاد استراتيجية لتهويد المسجد الاقصى
وتشير المعطيات الى ان شرطة الاحتلال تسعى لتعميق الهوية اليهودية للمسجد بشكل تدريجي لتجنب ردود الفعل الواسعة مع استغلال نافذة الحرب على غزة لتسريع هذه الخطوات. واضاف ان منظمات الهيكل تركز على طقوس محددة تهدف الى التعامل مع المسجد وكأنه الهيكل المزعوم حيث يسعى المستوطنون لتفريغ الساحة الشرقية من المصلين المسلمين تمهيدا للسيطرة عليها. وبين ان مسار ادخال الادوات التوراتية وصل الى نهايته مما يعني ان الاحتلال بات على اعتاب مرحلة الاتصال المباشر مع مشروع التقسيم المكاني.
وكشفت التقارير الميدانية عن ممارسات اضافية تهدف لاستعراض الهيمنة مثل ترديد اغاني دينية بمشاركة مسؤولين في حكومة الاحتلال ورفع العلم الاسرائيلي داخل الباحات. واكد المراقبون ان المقتحمين يرتدون ملابس تحمل شعارات تدعو لهدم مباني المسجد وتأسيس الهيكل مكانها. واضاف ان الساحة الشرقية باتت هي الهدف الاول للمستوطنين الذين يحاولون فرضها ككنيس للامر الواقع بعيدا عن اعين الاعلام.
وذكرت المصادر ان الاحتلال عمد الى تعزيز الحضور اليهودي على ابواب المسجد وتحويلها الى بؤر للطقوس الدينية. واضاف ان منظمات الهيكل بدأت تروج لمسارات جديدة تشمل مقبرة باب الرحمة والمطالبة بفتح الاقتحامات في ايام السبت. وبين ان التعتيم الاعلامي كان حاضرا بقوة حيث تم تنفيذ طقوس نفخ البوق دون توثيق بصري كاف مما يعكس رغبة الاحتلال في فرض الواقع على الارض بعيدا عن الرصد الجماهيري.
مرحلة مفصلية في مشروع التهويد
وافاد رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد ناصر الهدمي ان الاحتلال انجز خطوات فعلية ومهمة في مشروعه للسيطرة على الاقصى خلال موسم الاعياد الاخير. واضاف ان الفرصة باتت مهيأة لدى سلطات الاحتلال لتحويل اجزاء من المسجد الى كنيس يهودي دائم. وشدد على ان الاحتلال يتعامل مع تهويد الاقصى كمحور استراتيجي يعطى الاولوية القصوى في اجندته السياسية والامنية.
واشار الهدمي الى ان الاحتلال حول المدينة الى ثكنة عسكرية لتأمين هذه الاقتحامات والطقوس التلمودية وسط تضييق الخناق على المصلين. واكد ان الضجيج والرقص والصلوات داخل الباحات ليست مجرد تصرفات فردية بل هي سياسة ممنهجة لفرض امر واقع جديد. واضاف ان كل هذه المؤشرات تؤكد ان الاحتلال يسابق الزمن لتنفيذ التقسيم الزماني والمكاني بشكل كامل قبل ان يتمكن الجانب الفلسطيني او العربي من اتخاذ اجراءات مضادة.
واختتم الهدمي تصريحاته بالتحذير من ان السكوت عن هذه التطورات سيجعل من اقتطاع اجزاء من المسجد امرا واقعا لا رجعة فيه. واضاف ان المنطقة الشرقية وباب الرحمة هما الان في عين العاصفة حيث يتركز النشاط التهويدي بشكل مكثف. وبين ان المرحلة القادمة قد تشهد محاولات اكثر جرأة لتغيير الوضع القائم في المسجد الاقصى اذا لم يكن هناك تحرك جاد لوقف هذا المسار الخطير.
