تتجه الحكومة العراقية نحو تعزيز دور المواطن في كشف ملفات الفساد المالي والإداري عبر تفعيل نظام المكافات المالية المباشرة، حيث تهدف هذه الخطوة إلى تحويل الإبلاغ إلى أداة رقابية فعالة تساهم في استرداد الأموال العامة المنهوبة، وتستند هذه الآلية إلى منح المخبر نسبة من الأموال التي يتم استردادها فعليا بعد إثبات صحة المعلومات المقدمة أمام الجهات القضائية والرقابية.

وكشفت وقائع ميدانية عن نجاح هذه التجربة في كشف قضايا فساد معقدة، حيث تحول بلاغ بسيط من مواطن إلى خيط رفيع قاد السلطات إلى استعادة مبالغ طائلة، ومن أبرز هذه النماذج قضية موظف حكومي تم كشف ثروته غير المشروعة بعد شكوى قدمتها زوجته، مما أدى إلى سجنه لاحقا وحصول المبلغة على حصة مالية من الأموال المستردة كحافز قانوني.

وأضافت المصادر أن هذا الإجراء يأتي في وقت تكثف فيه هيئة النزاهة عمليات التدقيق والتحري، مؤكدة أن الإبلاغ لم يعد مجرد واجب وطني بل أصبح مسارا قانونيا منظما يضمن حقوق المبلغين ويشجع المجتمع على الانخراط في معركة استئصال الفساد من مختلف مفاصل الدولة.

ضوابط الرقابة واليات التحقق

وبين عضو لجنة النزاهة في البرلمان شاكر محمود، أن الحكومة تتبنى رؤية جادة لمواجهة هذه الظاهرة، موضحا أن الإجراءات القانونية تتطلب وقتا كافيا لضمان الدقة والنزاهة في التحقيقات، وشدد على ضرورة تعزيز هذه الجهود بأدوات رقابية متخصصة، مثل الاستعانة بشركات تدقيق العقود الحكومية لضمان مطابقة التنفيذ مع الجداول والكميات المحددة.

وأكد محمود أن هناك تحديات تواجه هذه العملية، أبرزها الإخبارات الكيدية التي تهدف إلى تضليل العدالة، موضحا أن القانون يضع آليات دقيقة للفرز والتحقق قبل المضي في الإجراءات، ومبينا أن الفساد يتغلغل في كافة المستويات الوظيفية، مما يتطلب تكاتف الجهود الشعبية والرقابية للحد من هدر المال العام.

واشار إلى أن التوجه الحالي ليس مقصورا على المكافات المالية فحسب، بل يمتد ليشمل إصلاحات إدارية واسعة، مؤكدا أن تفعيل القوانين الرادعة يمثل ركيزة أساسية لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة وتضييق الخناق على المتورطين في قضايا الفساد.

تفعيل قانون المكافات وتحديات الواقع

واكد رئيس الوزراء في توجيهات حديثة لهيئة النزاهة على ضرورة تفعيل قانون مكافأة المخبرين الذي يعود تاريخه إلى سنوات سابقة، معتبرا الهيئة خط الصد الأول في مواجهة الفساد، ومبينا أن الحملات الأخيرة أسفرت عن استرداد مبالغ مالية وأصول عقارية ضخمة تجاوزت تريليونا و359 مليار دينار عراقي.

وأضاف محمد الربيعي رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية، أن هذه الخطوة تنسجم مع التزامات العراق الدولية ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، موضحا أن التحدي الأكبر يكمن في البيئة السياسية والإدارية المعقدة، ومبينا أن نظام المحاصصة كان يشكل عائقا أمام اتخاذ إجراءات حاسمة ضد بعض الموظفين المتورطين في السابق.

وتابع الربيعي بأن المكافات المالية قد تساهم في رفع وتيرة الإبلاغ، إلا أنها لا تغني عن برامج التوعية الشاملة، ومحذرا في الوقت ذاته من ظاهرة إغراق القضاء بالملفات الوهمية التي يستخدمها الفاسدون كوسيلة لكسب الوقت وتضليل الجهات الرقابية عن قضاياهم الأساسية.

آلية احتساب المكافات المالية

واوضح المختصون أن احتساب المكافأة لا يتم عشوائيا، بل يرتبط حصرا بالأموال التي يتم استردادها فعليا للخزينة العامة، مبينا أن النسبة المحددة بـ 5% تطبق وفق ضوابط قانونية صارمة، فعلى سبيل المثال إذا نجح بلاغ في استرداد مليار دينار، فإن المبلغ يستحق نسبة مالية تعادل 50 مليون دينار وفق معايير الصرف القانونية.

واكد أن هذه العملية تهدف لبناء منظومة رقابية متكاملة، تبدأ من المواطن كعنصر فاعل، وتمر عبر هيئة النزاهة للتحقق والتدقيق، وصولا إلى القضاء الذي يصدر أحكامه النهائية، مبينا أن هذا التكامل هو الكفيل بضمان نجاح استرداد الأموال المنهوبة وإعادة بنائها في مشاريع تخدم المواطنين.