بقلم الأستاذ الدكتور فراس الهناندة- رئيس جامعة عجلون الوطنية

حين تتألم الكرك، يمتد وجعها إلى قلوب الأردنيين جميعًا، وحين تخيم عليها الفاجعة، يصبح الحزن حكاية وطن بأكمله. فما شهدته الكرك ترك في نفوس الأردنيين غصّة عميقة، وأعاد إلى الوجدان معنى أن يكون الوطن بيتًا واحدًا، وأن يكون ألم أي جزء منه وجعًا يسكن قلوب أبنائه من شماله إلى جنوبه.

في مثل هذه اللحظات، تضيق الكلمات أمام حجم المصاب، وتبدو عبارات المواساة أقل من أن تحمل ما في الصدور. غير أن ما يجمع الأردنيين من أخوة وتاريخ ومصير يمنحهم القدرة على الوقوف معًا في وجه المحن، ويؤكد أن الروابط الإنسانية والوطنية أعمق من الجغرافيا، وأقوى من كل اختلاف.

وفي خضم هذا الحزن، تبرز صورة كهنة الكنائس وشيوخ المساجد وهم يلتقون بالمحبة والتآخي، لتجسد واحدة من أصدق صور الأردن الذي نعرفه ونعتز به؛ الأردن الذي يجد أبناؤه في الرحمة والتسامح واحترام الإنسان أساسًا للعيش المشترك. للمسجد مآذنه، وللكنيسة أجراسها، وللوطن قلب واحد؛ قلب يتسع لجميع أبنائه، ويحفظ كرامتهم، ويصون حقهم في الأمن والحياة. وستظل هذه الصورة شاهدًا على أن ما يجمع الأردنيين أكبر من كل ما قد يحاول أن يفرق بينهم، وأن الأخوة الحقيقية تظهر في المواقف حين تشتد المحن وتثقل القلوب.

وفي هذه اللحظات الصعبة، يستحضر الأردنيون زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك ووقوفه إلى جانب أهلها ومواساته لهم. وتحمل هذه الزيارة دلالة إنسانية ووطنية عميقة، تؤكد قرب القيادة من المواطنين في أوقات الشدة، والحرص على أمنهم وكرامتهم. كما تؤكد هذه المرحلة أن صون المجتمع يتطلب عدالة راسخة، وتطبيقًا للقانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون ونتائج التحقيق، بما يحفظ الحقوق ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة.

إن حماية الوطن تبدأ من صون أمنه، وتمتد إلى حماية عقول أبنائه من الأفكار التي تغذي الكراهية وتبرر العنف. وهنا تتكامل مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية في غرس قيم الرحمة، واحترام الاختلاف، وتعزيز الحوار، وبناء وعي يرفض التعصب ويصون كرامة الإنسان. فالمجتمعات القوية لا تقاس بقدرتها على تجاوز الأزمات، وإنما بقدرتها على حماية نسيجها الاجتماعي ومنع الألم من التحول إلى خلاف أو انقسام.

ومن موقعنا في التعليم العالي، نؤمن بأن الجامعات تحمل مسؤولية وطنية في بناء الشخصية الواعية وترسيخ الاعتدال وتنمية التفكير النقدي. فالجامعة تسهم في بناء العقول والضمائر معًا، وتربي الشباب على أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن حرية الرأي تقترن باحترام حقوق الآخرين. ومن هنا، فإن الاستثمار في وعي الشباب وقيمهم، وتعزيز انتمائهم الوطني، يمثل ركيزة أساسية في حماية المجتمع وصون مستقبله، بالتكامل مع سيادة القانون ودور مؤسسات الدولة.

وفي أوقات المحن، تزداد الحاجة إلى الحكمة والمسؤولية؛ فاحترام مجريات التحقيق، والابتعاد عن الشائعات والأحكام المتسرعة، والتعبير المسؤول عن الألم والمواقف، كلها واجبات تحفظ الحقوق وتساعد على صون السلم الأهلي. فالعدالة تحتاج إلى الحقيقة، والحقيقة تحتاج إلى التثبت، والمجتمع يحتاج إلى خطاب يداوي الجراح ولا يضاعفها، ويجمع الناس حول الحق بدلًا من أن يدفعهم إلى مزيد من التباعد.

يا أهلنا في الكرك، إن مصابكم حاضر في قلوب الأردنيين جميعًا، وإن حزنكم يجد صداه في كل بيت أردني. قد تعجز الكلمات عن تخفيف ثقل هذه اللحظات، لكنها تستطيع أن تقول لكم إنكم لستم وحدكم، وإن ما يجمعنا من أخوة وانتماء ومصير سيبقى أقوى من المحن، وإن الوقوف إلى جانبكم واجب تمليه المحبة وصدق الانتماء لهذا الوطن.

ستبقى الكرك عزيزة على قلب الأردن، وسيبقى أهلها جزءًا أصيلًا من نسيجه الوطني، وستظل وحدتنا أمانة نحميها بالعدل والوعي والمحبة، ونورثها لأبنائنا قيمًا ومواقف وسلوكًا يوميًا. فالأردن يستحق منا أن نصون كرامة كل إنسان، وأن نحمي حق الجميع في الأمن والطمأنينة، وأن نواجه المحن بقلوب متآلفة وإرادة وطنية واحدة.

حفظ الله الأردن وقيادته وأهله، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأبقى قلوب أبنائه متآلفة، وجعل العدل والرحمة والمحبة سبيلهم، والوحدة الوطنية عهدًا راسخًا لا تنال منه المحن.