أوجعني رحيلك يا بني في هذه الجريمة النكراء ، لأني أدرك أكثر من كثيرين ، أنك ما وصلت الى هذه المرحلة من العلم ، إلا بعد جهد وشقاء وليالي من السهر والتعب والتوتر والشد العصبي الذي كنت ولا زلت آراه في أبنائي الذين يدرسون الطب ، وأعايش ما يمرّون به من مشقة وضغط ، وأدرك كم من الصبر يحتاجه المرء ليبلغ الحلم الذي طال انتظاره.
نعم أوجعني رحيلك لأنني أدرك معنى أن يتعب الإنسان سنوات طوال ، ويؤجل أفراحه ويقاوم إرهاقه ، ويصبر على مشقته حتى تأتي اللحظة التي ينتظرها بشغف، فيفرح بإنجازه ، ويرى ثمرة تعبه وغربته ، ويبدأ أولى خطواته نحو المستقبل الذي حلم به ، وحلم به والداه معه ليفرحوا وتفرح معهم بتخريجك ..
لن تكفي أو تفي الكلمات ولا العبارات ، من معاني العزاء والمواساة لوالديك
“فأي وجعٍ هذا الذي يفوق احتمال قلوبهم”
وانت وحيدهم وفرحتهم التي انتظروها وكبُرت معهم يوماً بعد يوم ، وقد أنهيت دراسة طب الأسنان وقطفت ثمرة تعبك ، وكنت على أعتاب مستقبلٍ يليق بأحلامك وأحلام والديك ، وجع لا تستطيع الكلمات تفسيره ووصفه
” فكيف لقلب والديك أن يستوعبا غيابك وفقدك وصوتك وضحكاتك “
وأنت لأمك وحيدها وفلذة كبدها ، وقطعة روحها التي كانت ترى فيها امتداد عمرها وأجمل ما خبأته لها الأيام .
لم يكن الفقد فقدك فقط ، بل كان فقد مستقبل كامل لك ووالديك وعائلتك ، وأحلام لم تكتمل لكل أحباءك وأهلك ، وأفراح كان يُفترض أن تعيشها ويعيشها والديك الذين كانا ينتظران أن يريا ثمرة تعبهما في نجاح ابنهما وفرحته ومستقبله .
لم ترحل وحدك .. بل رحلت وأخذت معك قلب أبيك وأمك وتركت خلفك
” بيتاً لن يشبه البيت الذي أشرق فرحاً ونوراً صبيحة يوم تخرجك “.
نعم المصاب جلل والفقيد بحجم الوطن ، ولكن يبقى عزاؤنا جميعاً على عظم الوجع ، بأنك لست فقيد أهلك فقط وأنما فقيد الوطن كله ، ترابه وشعبه سماءه وهواءه وأسلامه قبل مسيحيته .
أمك الآن قلب منكسر .. وكلما دق بابها ظنت أنك أنت من يدق بابها
” ولعل قلبها يسبق عقلها إلى الظن حقاً بأنك أنت الطارق “
وأنك عدت لتدخل عليها بصوتك وضحكتك وملامحك .
” فيا جبراً وسكينة يليق بعظيم لطفك يا رب لها ” .
ولكم أشعر بالخجل يا بني أمام نعشك الطاهر ، لأن من قتلوك بدم بارد يدعون الأسلام ، وأسلامنا منهم براء لا يمتون له بصله ، فديننا جاء حرمةً للدماء وصوناً للأرواح ، وبراءةً من الظلم والعدوان ، وأسلامنا الحق بريء من جريمتهم ومن فكرهم المنحرف ومن كل فعلٍ يناقض قيمه ومبادئه وعقيدته السمحة ، فلا دين يبرر قتل الأبرياء ، ولا عقيدة تبيح الغدر بالآمنين ، وأرهابهم لا دين له .
هم آرادوا بقتلك زعزعة أمن وأستقرار الأردن ووحدة شعبه عشائره وقبائله مسيحيوه ومسلميه ، ولم يدركوا أن دماءك الطاهرة الزكية وحدت الصف وزادتنا تماسكاً وحرصا على وحدة ترابنا الوطني ونسيجنا الأجتماعي والأهلي .
وليعلم كل ذي علم ..
” أنك أبن هذه الارض والأردن والكرك منذ فجر التاريخ “
وهم الغرباء والدخلاء بفكرهم الضلالي الجبان .
انت عربي جذور مسيحيتك على هذه الارض قبل جذور المسيحية حول العالم ، وجذور مسيحيتك على هذه الأرض قبل دخول الأسلام لها ، وإخوتك المسلمين شركاؤك في الأرض والمصير والوطن ، وهذه الأرض لم تكن يوما حكرا على أبنائها من دينٍ دون آخر ، بل كانت وستظلّ وطنا يجمعهم تحت راية واحدة.
أشعر بالخجل منك يا بني ، فلو شاءت الصدف والأقدار أن أكون ضمن مقدمي العزاء خلال الجريمة النكراء
” لأفتديتك بروحي وضممت جسدي لجسدك فلا تصيبك رصاصة الغدر والضلال والكفر ” .
الأردن كله يا بني يشعر بالخجل أمام نعشك .. حقاً نشعر بالخجل أمامك .
أبكيت قلوبنا ؤادميت أرواحنا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
المحامي ايمن الحياصات يكتب : أوجعني رحيلك يا بني شهيد الوطن دكتورنا فادي الهلسة في هذه الجريمة النكراء
