عمّان – ليست كل مقاومة صوتاً يُسمع، ولا كل صمود موقفاً يُرى. في القدس، قد يكون البقاء في المدينة، والعمل، وحماية المدرسة، وصون الهوية، وإبقاء أبواب أنشطة المجتمع مفتوحة، وغير ذلك من نضالات المجتمع المدني، أشكالاً من مقاومة يومية لا تقل أهمية عن حضورها في ميادين المواجهة المسلحة التي هي من صنع الدول والأحزاب والتنظيمات...الخ.

بهذه الفكرة المركزية، استضاف أ.د. أسعد عبد الرحمن (منتدى العصرية)، مساء الأربعاء 28 تشرين الأول 2026، في المسرح الجديد بمجمع المدارس العصرية في خلدا، أستاذ الدراسات المقدسية أ.د. وليد سالم، في محاضرة بعنوان «القدس والمقدسيون: جدوى الصمود والمقاومة الصامتة؟»، جاءت ضمن الموسم الثقافي للمنتدى، وسط حضور ثقافي ونخبوي لافت، وتفاعل ثري مع المحاضر.

استهل الدكتور أسعد، رئيس هيئة المديرين في المدارس العصرية، اللقاء بتقديم المحاضر، منوها بعلاقة صداقة ومعرفة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود مع الضيف المحاضر، ومشيراً إلى تجربته الأكاديمية والبحثية المتخصصة في شؤون القدس، وإلى دوره في تأسيس مجلة «المقدسية» ومتابعة مسيرتها. ورأى أن الصمود في فلسطين يمثل أحد أرفع أشكال النضال في المرحلة الراهنة، ممهداً لمحاضرة تتناول جانباً من المقاومة المقدسية لا يحظى دائماً بما يستحقه من الانتباه.

ومن السؤال عن معنى القدس إلى السؤال عن كيفية مقاومتها، وضع د.سالم الحضور أمام اختلاف جوهري بين تصور يقوم على حصرية الدولة الصهيونية السيطرة على المدينة، وتصور فلسطيني وعربي وإسلامي يرى فيها فضاءً متنوعاً، تتجاور فيه الأديان والجماعات، ولا تتحول فيه حرية الاعتقاد إلى مبرر لاحتكار السيادة السياسية والدينية.

 

ومن هذا المدخل، شرح المحاضر مفهوم «المقاومة الصامتة»، مؤكداً أنها لا تعني غياب المقامات الاخرى، ولا تنتقص من أشكالها المختلفة، بل تكشف عن ميادين أخرى للصمود وحماية الوجود، تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، وفي قدرة المقدسيين على الاستمرار رغم الضغوط الامنية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تواجههم.

وقدم سالم تمييزاً بين «صمود الساكن»، الذي يتمثل في البقاء في المدينة رغم محاولات دفع أهلها إلى الرحيل، و«صمود الفاعل»، الذي يتجاوز مجرد البقاء إلى إتقان العمل والإسهام في حياة المجتمع. وربط ذلك بمفهوم «التكيف المقاوم»، أي القدرة على التعامل مع الوقائع المتغيرة دون الاستسلام لها، وبناء المناعة النفسية والثقافية والاجتماعية التي تعين الأفراد والأسر على مواصلة الحياة ونقل الثقة والأمل والمقاومة إلى الأجيال الجديدة.

ولم تبق المحاضرة في حدود المفاهيم النظرية؛ إذ انتقل سالم إلى نماذج ميدانية من القدس، موضحاً كيف تسهم المبادرات المحلية في تثبيت الوجود الفلسطيني، وكيف يؤدي حل النزاعات داخل المجتمع إلى حماية نسيجه من التفكك، فيما تتيح المبادرات المجتمعية توفير مساحات للأطفال والشباب، وتعزز قدرة الأحياء على الاعتماد على طاقاتها الذاتية.

وفي جبل المكبر والعيسوية وتل العداسة، عرض تجارب في التنظيم المحلي والتكافل ومعالجة المشكلات المجتمعية، مستخلصاً أن حماية المجتمع لا تبدأ دائماً من المؤسسات الكبرى، بل قد تبدأ من لجنة محلية تحل نزاعاً، أو مبادرة توفر ملعباً للأطفال، أو جهد جماعي يحافظ على الحي ويعزز قدرة سكانه على البقاء.

وفي الجانب الاقتصادي، تناول المقاطعة الذاتية للمنتجات الإسرائيلية والمبادرات التنموية المحلية بوصفهما وسيلتين لتقوية الاستقلال الاقتصادي للمجتمع المقدسي. وفي الجانب العمراني، شرح كيف يحاول الفلسطينيون الحفاظ على وجودهم وبناء بيوتهم رغم القيود وسياسات الهدم، مشيراً إلى أن معركة المكان لا تتعلق بالحجارة وحدها، بل بمن يبقى في المدينة متحدياً جهود التهجير ومن يملك القدرة على مواصلة الحياة فيها.


كما توقف عند رفض التجنس بالجنسية الإسرائيلية ومقاطعة الانتخابات البلدية في المدينة المقدسة، بوصفهما شكلين من أشكال التمسك بالهوية السياسية والوطنية، مع الإشارة إلى الأثمان الخدمية التي قد يتحملها المقدسيون نتيجة هذه الخيارات. وربط ذلك بمقاومة محاولات فصل المقدسي عن هويته الفلسطينية، أو اختزال انتمائه في هوية محلية منفصلة عن محيطه الوطني.

واحتل التعليم مساحة مهمة من المحاضرة؛ فتحدث سالم عن استمرار المدارس الفلسطينية في القدس، وعن محاولات الحفاظ على المنهاج الوطني من خلال التدريس المباشر والأنشطة اللاصفية والتعليم المجتمعي وتعليم الأقران، إلى جانب فرص التعليم الإلكتروني في تنمية قدرات الطلبة. واعتبر أن نقل المعرفة والهوية بين الأجيال شكل من أشكال المقاومة التي تحمي الذاكرة وتمنع انقطاع الصلة بفلسطين.

وامتد الحديث إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث اعتبر استمرار الحضور والصلاة فيه، والتمسك بهوية المكان، من صور المقاومة الصامتة، متناولاً كذلك دور الأوقاف الإسلامية والوصاية الهاشمية في إدارة شؤون المسجد ورعاية المقدسات. وأكد، في معرض إجابته عن سؤال حول الأماكن المسيحية المقدسة، أن الوصاية الهاشمية تشمل المقدسات الإسلامية والمسيحية، مشيراً إلى التنسيق مع كنائس القدس، وإلى مشاهد التضامن بين المسلمين والمسيحيين في الدفاع عن المقدسات.

ولم تغب الأسئلة الصعبة عن اللقاء. فقد ناقش الحضور حدود قدرة المقاومة الصامتة على مواجهة التهجير القسري، مستحضرين ما شهدته الخليل ومخيمات شمال الضفة الغربية من تهجير عائلات من بيوتها. وأقر سالم بأن للصمود حدوداً لا يجوز تجاهلها، موضحاً أن نجاحه في تثبيت الوجود لا يعني أنه قادر وحده على تحقيق التحرير، وأن المراحل المختلفة تتطلب أدوات وأساليب متعددة، وفق طبيعة كل حالة، موضحاً ان ماتقوم به الدول والاحزاب والتنظيمات والفصائل مختلف عن مايقوم به الافراد والمجتمع المدني.

في المقابل، أشار الدكتور المحاضر إلى أن استضافة العائلات المهجرة لدى أسر أخرى، وتوفير الرعاية والتكافل لها بعيداً عن مراكز الإيواء، يمثلان بدورهما صورة ملموسة من صور المقاومة المجتمعية؛ إذ يحافظ المجتمع على تماسكه حتى حين يُقتلع أفراده من بيوتهم.

وفي نقاش بناء ثقافة العمل الصامت لدى الأجيال الجديدة، شدد المحاضر على أهمية الانتقال من ثقافة الأنا والاستعراض إلى ثقافة العمل الجماعي والتواضع، والنظر النقدي إلى الإنجاز، والإيمان بأن ما تحقق لا يعفي من مواصلة العمل. فالمقاومة، وفق هذا المنظور، ليست ادعاء البطولة ولا انتظار التصفيق، بل مسؤولية يومية تتجدد بقدر ما تبقى هناك فجوة بين الواقع والهدف.

وذهب النقاش إلى أبعد من حدود المدينة، حين أكد سالم أن اختزال الفلسطينيين في صورة أبطال يصنعون المعجزات قد يتحول، من حيث لا يُقصد، إلى وسيلة لإعفاء الآخرين من مسؤولياتهم. فالقدس، بعد التحولات التي شهدتها فلسطين والعالم منذ عام 2023، لم تعد قضية يمكن حصر ساحة الكفاح من أجلها داخل المدينة أو في الأراضي الفلسطينية وحدها؛ بل أصبحت مسؤولية عربية ودولية، تتطلب الانتقال من التعاطف إلى الفعل، ومن الإعجاب بالصمود إلى الإسهام في حمايته.

وعلى امتداد محاضرة ونقاش ناهزا الساعة والنصف، بدا أن الفكرة التي جمعت تفاصيل الأمسية تتجاوز تعريف المقاومة الصامتة إلى تحديد ما تستطيع إنجازه وما لا تستطيع، وكيف يمكن للصمود المحلي أن يكتسب أثراً أوسع حين يتصل بجهد فلسطيني شامل، وإسناد عربي، وتضامن دولي فاعل، مؤكداً على أن الصمود ليس إعفاءً للآخرين من مسؤولياتهم، وأن حماية القدس لا تقع على عاتق المقدسيين وحدهم، مهما بلغت قدرتهم على التمسك بأرضهم وهويتهم.

وفي ختام اللقاء، قدم الدكتور أسعد عبد الرحمن درعاً تكريمياً للدكتور وليد سالم باسم منتدى العصرية، تقديراً لمحاضرته وإسهاماته البحثية والفكرية في دراسة القدس وقضاياها.