يواجه الاحتلال الاسرائيلي موجة من الاضطرابات السياسية والاعلامية العنيفة عقب اطلاق الفيلم الوثائقي نازا الذي كشف خفايا صادمة حول استهداف المدنيين في قطاع غزة. واظهر العمل السينمائي الذي نال اشادة دولية واسعة في مهرجان البندقية شهادات حية لضباط وجنود شاركوا في العمليات العسكرية وقدموا تفاصيل دقيقة عن اليات اختيار الاهداف وتقدير الخسائر البشرية المسبقة.
واثار الفيلم حالة من الذعر داخل اروقة الحكومة والجيش حيث سارعت مختلف المؤسسات الامنية والدبلوماسية الى محاصرة تداعيات هذا العمل. وكشفت التقارير ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراء الدفاع والخارجية يقودون حملة مضادة للتشكيك في مصداقية الشهادات ومحاولة نزع الشرعية عن صناع الفيلم.
واكد مراقبون ان الفيلم نجح في اختراق الجدار الدعائي الاسرائيلي من خلال تقديم رواية موثقة من داخل المنظومة نفسها. واضاف ان هذا العمل وضع اسرائيل في موقف حرج امام المجتمع الدولي خاصة مع تضمنه تفاصيل حول منح موافقات لضرب اهداف رغم توقع سقوط مئات المدنيين.
عريضة داخل الوحدة 8200
وبينت المصادر ان جنود الاحتياط في وحدة الاستخبارات العسكرية المعروفة باسم 8200 تحركوا بشكل عاجل للتبرؤ من الفيلم. ووقعت اعداد كبيرة منهم عريضة تطالب قيادة الوحدة بالتحقق من هوية المشاركين في الفيلم ومحاسبتهم بتهمة الاساءة للقيم العسكرية.
وشدد جنود الاحتياط على ان المزاعم الواردة في العمل عارية عن الصحة تماما. واضاف ان هناك مساعي قانونية يدرسها خريجو الوحدة لرفع دعاوى تشهير ضد المخرجين رغم الشكوك المحيطة بفرص نجاحها في المحاكم.
واوضحت التقارير ان الوحدة 8200 التي تعد العمود الفقري للاستخبارات الاسرائيلية تعيش حالة من التوتر منذ فشلها في التنبؤ بعملية طوفان الاقصى. واكد ان محاولات التملص من المسؤولية عن جرائم الحرب تزداد تعقيدا مع استمرار تدفق الشهادات الموثقة.
تحريض من الداخل
وكشف بنيامين نتنياهو عن قلقه العميق من تأثير الفيلم واصفا اياه بانه جزء من تحريض عالمي معاد للسامية. واضاف في تصريحات له ان صدور مثل هذا العمل من داخل المجتمع الاسرائيلي يعد امرا غير محتمل ومرفوضا.
وتابع نتنياهو هجومه على مخرجي الفيلم معتبرا ان تصوير جيش الدفاع كطرف مرتكب لجرائم حرب يمثل خيانة للمصلحة الوطنية. واشار الى ان الحكومة ستتخذ كافة الاجراءات القانونية المتاحة لمواجهة هذا التحريض.
واكدت مصادر سياسية ان مكتب رئيس الوزراء ينسق مع هيئة الاعلام الوطنية لتعميم وثيقة ارشادية على السفارات الاسرائيلية في الخارج. واضاف ان الهدف هو نفي تهمة الابادة الجماعية وتصوير الفيلم كغطاء دعائي لحركة حماس.
حملة اعلامية ودبلوماسية واسعة
واظهرت التوجيهات الدبلوماسية الاسرائيلية طلبا صريحا من البعثات في الخارج بالتركيز على رواية ان الحركة تستخدم المدنيين دروعا بشرية. واضاف ان الخارجية الاسرائيلية تسعى لاحتواء الغضب الدولي عبر حملة مضادة واسعة النطاق.
وبينت تقارير صحفية ان رئيس اركان الجيش ايال زامير اعطى اوامر مباشرة للمدعي العام العسكري ببدء فحص قانوني ضد الفيلم. واضاف ان الجيش يحقق في شبهات تسريب وثائق سرية ومعلومات مصنفة استُخدمت في انتاج الفيلم.
واوضح زامير ان هذه الخطوة تهدف الى حماية سمعة المؤسسة العسكرية. واضاف انه تم تشكيل فريق عمل متعدد التخصصات لوضع استراتيجية طويلة الامد لمواجهة الادعاءات التي تلاحق قادة الجيش وجنوده.
اجراءات اسرائيلية متصاعدة
واعلنت الجهات الرسمية عن سلسلة خطوات عقابية تشمل مراجعة تراخيص الافلام التي تمثل اسرائيل دوليا. واضاف ان وزير الثقافة هدد بسحب الجنسية من المخرجين بتهمة الخيانة.
وتابع ان لجنة التعليم والثقافة في الكنيست دعت لعقد جلسة طارئة لمناقشة تداعيات الفيلم. واضاف ان هناك ضغوطا تمارس على مختلف المستويات لمنع عرض الفيلم او الترويج له في المحافل الفنية.
واظهرت هذه التحركات مدى عمق الازمة التي احدثها الفيلم داخل المجتمع الاسرائيلي. واضاف ان الصراع بين الرواية الرسمية وشهادات الجنود اصبح يشكل شرخا واضحا في الخطاب العام.
من اين جاء اسم نازا؟
وكشف صناع الفيلم ان التسمية مستوحاة من مصطلح عبري يشير الى الخسائر الجانبية المتوقعة. واضاف ان هذا المصطلح يستخدمه ضباط الاستخبارات ببرود عند تحديد عدد المدنيين المسموح بقتلهم في كل ضربة.
واوضح المخرج يوفال ابراهام ان العمل استغرق ثلاث سنوات من التحقق والتوثيق. واضاف ان الهدف هو كشف الحقيقة للجمهور الاسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بفظاعة الجرائم المرتكبة باسمه.
وتابع ابراهام ان انكار الجريمة هو الوقود الذي يضمن استمرارها. واضاف ان الشهادات التي جمعها الفيلم تؤكد ان الدمار الهائل في غزة ليس وليد الصدفة بل نتيجة سياسة ممنهجة.
شهادات على الابادة سبقت الفيلم
واظهرت وقائع الفيلم تطابقا مع تصريحات سابقة لمسؤولين اسرائيليين. واضاف ان ما قاله وزير الدفاع غالانت عن قطع الماء والكهرباء والغذاء يمثل جوهر الفلسفة التي يوثقها الفيلم.
واكد حقوقيون دوليون ان الفيلم يقدم دليلا اضافيا على نية الابادة. واضاف ان ربط شهادات الجنود بالخطاب الرسمي للقيادة الاسرائيلية يعزز الدعاوى المرفوعة امام المحاكم الدولية.
وتابع ان الفيلم يوثق لحظات اتخاذ القرار العسكري. واضاف ان الشهادات تكشف كيف يتم التلاعب بالقيم الانسانية لتبرير قتل المدنيين.
اكثر من 200 سينمائي يدعمون صناع الفيلم
وخلافا للموقف الرسمي وقع اكثر من 200 سينمائي اسرائيلي عريضة تضامن مع المخرجين. واضاف الموقعون ان الحملة ضد الفيلم تعكس تراجعا خطيرا في حرية التعبير داخل اسرائيل.
وشدد السينمائيون على ان مهاجمة الفيلم دون مشاهدته تعبر عن حالة من الهستيريا السياسية. واضاف انهم يحذرون من ان التحريض ضد المخرجين قد يؤدي الى تعريض حياتهم للخطر الحقيقي.
واختتم الموقعون عريضتهم بالتاكيد على ان الانقسام الداخلي بشان الحرب اصبح واضحا. واضاف ان الفيلم نجح في فتح نقاش اجباري حول المسؤولية الاخلاقية عما يحدث في غزة.
