تصدر الذكاء الاصطناعي واجهة المناقشات الدولية في قمة الامم المتحدة المنعقدة حاليا في نيويورك، حيث تبادل قادة العالم وجهات النظر حول مخاطر هذه التقنية المتسارعة وكيفية ضبط ايقاعها. وشهدت جلسات القمة نقاشات حادة عكست تباينا كبيرا في الرؤى بين القوى العظمى، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية تنظيم هذه الادوات التي باتت تتدخل في صميم الامن القومي والخصوصية البشرية. واستهل الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش هذه الحوارات بدعوة صريحة لتوحيد الجهود الدولية، مؤكدا ان مستقبل التقنية يجب ان يصاغ لصالح البشرية جمعاء وليس تحت سيطرة دول محددة.

واضاف غوتيريش في كلمته الختامية امام الجمعية العامة ان العالم يحتاج الى اطار عمل شفاف يمنع تسليم قرارات الحياة والموت للالات، مشددا على ان الروبوتات القاتلة لا مكان لها في مستقبلنا. وبين ان التاريخ يعلمنا ان الادارة المشتركة للمخاطر الوجودية هي السبيل الوحيد لتجنب الكوارث، داعيا الدول الكبرى الى استحضار روح التعاون التي سادت في ازمات سابقة لضمان عدم خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.

واكد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مداخلاته على ضرورة بناء نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر لا يقتصر تطويره على الولايات المتحدة او الصين فقط. واوضح ان تنظيم هذه التقنية يعد ضرورة ملحة لحماية المصارف والمستشفيات والامن العالمي، محذرا من ان الانتظار حتى وقوع العواقب سيكون مكلفا للغاية، ومؤكدا ان المسار الاوروبي في التشريع يعد نموذجا يحتذى به عالميا.

انقسام دولي حول الهيمنة التقنية

واشار ماكرون في مقابلاته الجانبية الى ان ترك القرار بيد حفنة من الجهات الخاصة والقوى الكبرى يعد مخاطرة غير محسوبة. واضاف ان على المشرعين التمييز بدقة بين دعم الابتكار وبين كبح المخاطر التي تفرضها النماذج المتقدمة، مطالبا بنقاش مفتوح يشرك كافة دول العالم في صنع القرار التقني.

وفي المقابل، رفض الرئيس الامريكي دونالد ترمب بشكل قاطع اي تدخل دولي في قطاع الذكاء الاصطناعي، معتبرا ان بلاده ستحافظ على ريادتها في هذا المجال. واكد ان الولايات المتحدة لن تقبل بمشاريع عالمية للسيطرة على هذه التقنية، متبنيا وجهة نظر ترى ان المنافسة هي المحرك الاساسي للابداع.

وشدد ترمب على ان ادارته تسعى لتغيير مصطلحات التقنية، حيث اقترح استبدال اسم الذكاء الاصطناعي بمصطلح الذكاء الفائق. واوضح ان التسمية الجديدة تعكس القدرات الحقيقية للتقنية وتزيل الانطباع بانها مجرد محاكاة مزيفة، مؤكدا ان من يكسب سباق الذكاء الفائق سيضمن التفوق العالمي.

تحديات الامن وحماية الاجيال القادمة

وبين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان العالم يواجه صعوبات متزايدة في السيطرة على الذكاء الاصطناعي ومخاطره السيبرانية. واكد على ضرورة الاسراع في وضع اطار قانوني دولي موحد يتناسب مع سرعة التطور التقني، مطالبا بتفعيل اتفاقية الامم المتحدة الخاصة بالذكاء الاصطناعي دون تأخير.

واضاف اردوغان ان التحديات لا تقتصر على الامن فقط بل تمتد لتشمل مكافحة المعلومات المضللة وحماية استقرار اسواق العمل. واكد ان الاستمرار في النهج الحالي دون ضوابط قانونية واضحة سيجعل من المستحيل على الدول حماية مجتمعاتها من التبعات السلبية للثورة التقنية.

وكشفت القمة عن اهتمام خاص بحماية الاطفال في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث ترأس قادة فرنسا وكينيا واسبانيا واستراليا اجتماعا رفيع المستوى لهذا الغرض. واكد رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز ان شركات التقنية لا يمكنها خصخصة الارباح وتحميل المجتمع تكاليف الاضرار النفسية والذهنية التي تلحق بالاطفال.

مطالب بضمانات دولية ملزمة

واوضح المفوض السامي لحقوق الانسان فولكر تورك ان حقوق الاطفال يجب ان تكون حاضرة في قلب تطوير التقنيات الحديثة. واكد ان الاجيال الصاعدة هي الاكثر عرضة لتاثيرات الذكاء الاصطناعي، مطالبا باشراكهم في الحوارات التي تحدد مستقبلهم الرقمي.

واضافت اكثر من 20 دولة اوروبية صوتها للمطالبة باجراءات امان ملزمة للذكاء الاصطناعي المتقدم. وحذرت هذه الدول من ان سرعة الابتكار تجاوزت قدرة الحكومات على الضبط، مما يستوجب تحركا جماعيا لضمان الاستخدام المسؤول.

وختاما، تظل قضية تنظيم الذكاء الاصطناعي نقطة خلافية جوهرية في اروقة الامم المتحدة. ومع تباين المواقف بين القوى الكبرى، يتطلع العالم الى نتائج ملموسة تضمن ان تكون هذه التقنية خادمة للانسانية لا تهديدا لاستقرارها.