في ظل واقع مأساوي يعيشه قطاع غزة، تزايدت المخاوف من عجز فرق الدفاع المدني عن انتشال الضحايا من تحت ركام المباني المدمرة. كشفت حادثة انهيار عمارة السعادة عن فجوة هائلة في الامكانيات المتاحة، حيث اضطرت الطواقم للعمل لساعات طويلة وبوسائل بدائية في محاولة يائسة لانقاذ العائلات النازحة التي طمرتها الكتل الخرسانية. واجهت فرق الانقاذ صعوبات لوجستية بالغة، بدءا من ضيق الشوارع المليئة بالركام وصولا الى محدودية الآليات التي تعاني من تهالك شديد ونقص حاد في الوقود وقطع الغيار.
واضاف المهندس عادل ابو حماد، الذي شارك في عمليات الانقاذ، ان المهمة كانت اشبه بسباق مع الزمن في بيئة معدومة المقومات. وبين ان غياب الرافعات المتطورة واضطرار الفرق لاستخدام ايديهم لتفتيت الحجارة عكس حجم المأساة التي تزداد تفاقما مع مرور الوقت. واكد ان الوصول الى الموقع تطلب جهودا مضاعفة لتأمين مسارات عبور للآليات القليلة المتوفرة، مما اخر عمليات الانقاذ واثر بشكل مباشر على فرص العثور على ناجين.
واوضح الرائد محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني، ان طواقمه عملت لاكثر من 30 ساعة متواصلة في ظروف تفتقر لادنى معايير السلامة المهنية. واشار الى ان ندرة الحفارات والشاحنات جعلت من كل عملية انتشال تحديا وجوديا يستنزف ما تبقى من قدرات تقنية متهالكة. وشدد على حاجة القطاع العاجلة لمعدات ثقيلة متخصصة، بما في ذلك اجهزة كشف الاحياء تحت الانقاض ووسائل الحماية الشخصية للكوادر الميدانية.
واقع الانهيار الميكانيكي
وكشفت التقديرات الميدانية ان قطاع غزة بات يقترب من نقطة الصفر فيما يخص المعدات الانشائية والميكانيكية. واكد المهندس عارف ابو عودة، عضو اتحاد المقاولين، ان ما تبقى من اليات بات مهددا بالتوقف النهائي خلال ايام بسبب انعدام الزيوت وقطع الغيار الاساسية. واضاف ان العمل بآليات معطلة او تعمل بطاقة جزئية يقلل من كفاءة الانقاذ ويجعل من استمرارية المهام امرا مستحيلا في المدى المنظور.
وبين ابو عودة ان حجم الدمار الذي خلفته الحرب يتطلب اسطولا ضخما من الجرافات والشاحنات لا يمكن توفيره دون تدخل دولي عاجل لكسر الحصار على قطع الغيار. واكد ان هناك الاف المباني المتصدعة التي تشكل قنابل موقوتة تهدد حياة النازحين في حال تعرضت لاي هزات او تقلبات جوية خلال فصل الشتاء القادم. واشار الى ان استمرار الوضع على ما هو عليه سيعيق اي جهود مستقبلية لاعادة الاعمار.
واظهرت بيانات وزارة الاشغال العامة ان المنظومة الميكانيكية المتبقية في غزة تعاني من شلل شبه تام، حيث لا يتوفر سوى عدد محدود جدا من الحفارات القادرة على العمل في المناطق الحضرية. واكدت المهندسة رقية ابو الرب، رئيسة فريق اعادة الاعمار، ان المشكلة ليست في عدد الآليات فحسب، بل في غياب منظومة الصيانة المتكاملة التي تضمن استدامة عمل ما تبقى من معدات. واوضحت ان الفجوة في المعدات التخصصية، مثل الكسارات والمطارق الهيدروليكية، تعطل عمليات رفع الركام بشكل كبير.
تحديات الاستجابة الطارئة
وذكرت ابو الرب ان الوزارة تضطر حاليا لتركيز مواردها المحدودة على الحالات الاكثر خطورة فقط، وهو اجراء اضطراري لا يحل الازمة الجذرية. واكدت ان المطلوب ليس مجرد ادخال معدات جديدة، بل ضمان تدفق مستمر للوقود والمواد التشغيلية التي تضمن بقاء هذه الآليات في الخدمة. واضافت ان غياب اجهزة فحص البصمة الوراثية ومعدات البحث المتقدمة يزيد من معاناة الاهالي في التعرف على ذويهم.
وختمت بالقول ان التحدي الحقيقي الذي يواجه غزة اليوم هو التوفيق بين حجم الكارثة وبين الامكانيات المتاحة التي تتلاشى يوما بعد يوم. واكدت ان اي استراتيجية انقاذ ناجحة يجب ان تعتمد على مسار متكامل يشمل التمويل المباشر، وتأمين قطع الغيار، ورفع القيود عن دخول المعدات التخصصية. وبينت ان بقاء الوضع على حاله سيحول دون القدرة على مواجهة اي انهيارات مستقبلية في المباني المتهالكة.
