حزب نماء / المكتب السياسي

مضامين خطاب العرش السامي

 

قراءة سياسية شاملة في مضامين ورؤية خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين

تابع المكتب السياسي لحزب نماء باهتمام بالغ خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، اليوم الاثنين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين.

وإننا في المكتب السياسي نؤكد أن الخطاب لم يكن بروتوكولياً تقليدياً، بل جاء محملاً برسائل سياسية ووطنية بالغة الأهمية، عكست طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، وحددت بوضوح ملامح المسؤولية المطلوبة من مؤسسات الدولة، في ظل تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة.

لقد وضع جلالة الملك النقاط على الحروف، ولم يترك مساحة للالتباس في القضايا التي تمس أمن الوطن وهيبة الدولة وكرامة المواطن ومستقبل الأجيال.

أولاً: الأمن الوطني خط أحمر... ولا تسامح مع الإرهاب

إن تأكيد جلالته على أمن الأردن كقضية غير قابلة للمساومة، وما رافقه من استذكار لشهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن ثرى الأردن الطهور في مواجهة الإرهاب، يؤكد أن الدولة الأردنية لن تسمح لأي جهة بتهديد وحدتها أو العبث باستقرارها.

والرسالة هنا تتجاوز إدانة العمل الإرهابي إلى تأكيد حقيقة راسخة: الأردن دولة مؤسسات وقانون، وشعبه يشكل جبهته الداخلية المنيعة. إن الوقوف خلف القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي والأجهزة الأمنية ليس موقفاً عاطفياً، بل واجب وطني يستدعي تعزيز الثقة بالمؤسسات وحماية المجتمع من التطرف.

ثانياً: هيبة الدولة تبدأ بسيادة القانون

من أبرز وأقوى الرسائل تأكيد جلالة الملك أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً.

وهذه هي الرسالة التي يلتقطها حزب نماء بوضوح: لا يجوز أن يبقى المواطن البسيط تحت سلطة القانون، بينما يشعر صاحب النفوذ بأنه فوق المساءلة. هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات، بل بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة ومساواة، ومحاسبة المقصرين، ومواجهة الفساد والواسطة والمحسوبية. الأردنيون لا يريدون عبارات جميلة عن القانون، بل يريدون عدالة ملموسة في حياتهم اليومية.

ثالثاً: البرلمان أمام اختبار المسؤولية الوطنية

لقد حمّل جلالة الملك مجلس الأمة مسؤولية سياسية وتشريعية ورقابية واضحة، كونه ركناً أساس في الحياة السياسية، وصوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة.

فالمواطن لم يعد ينظر لمجلس النواب كمشرع فقط، بل كمدافع عن مصالحه ورقيب على أداء الحكومة. وما أشار إليه جلالته بأن الأردنيين ينظرون لما يصدر عن القبة من سلوك وخطاب، بقدر ما ينظرون للقوانين، يعني أن المسؤولية النيابية تكليف وطني يستوجب النزاهة واحترام ثقة الناخبين، وليست امتيازاً أو وجاهة.

رابعاً: المواطن يجب أن يكون في صلب القرار لا على هامشه

إن تأكيد جلالته أن مصلحة الأردني في صلب كل قرار، هو جوهر فلسفة حزب نماء. التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه.

المواطن يريد اقتصاداً منتجاً وفرص عمل حقيقية وتخفيفاً للأعباء المعيشية. ولا قيمة لمشاريع كبرى أو خطط استراتيجية ما لم تنعكس على حياة الناس. نجاح التحديث الاقتصادي يقاس بعدد الوظائف وحجم الاستثمار وتحسن مستوى المعيشة، لا بحجم المؤتمرات.

خامساً: الأمن المائي قضية سيادة وطنية

عندما كرر جلالة الملك عبارة "المياه، المياه، المياه"، فهو يعلن أولوية استراتيجية تتعلق بالأمن الوطني. الأردن يواجه تحديات مائية وجودية، وهذا يتطلب تسريع تنفيذ المشاريع المائية الكبرى، وتطوير البنية التحتية، ووضع خطط استباقية تضمن حق الأجيال القادمة. المياه ليست ملفاً إدارياً مؤجلاً، بل قضية سيادة واستقرار.

سادساً: المعارضة الوطنية حق دستوري

ومن أهم الرسائل تأكيده أن التداول في الشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن صدر الوطن رحب لكل رأي مخلص. المعارضة الوطنية المسؤولة ليست خصماً للدولة، والنقد الموضوعي ليس خروجاً على الثوابت. الدولة القوية هي التي تستوعب الرأي والرأي الآخر وتستفيد من الأفكار دون المساس بأمن الوطن. الأردن بحاجة لحياة حزبية فاعلة وبرلمان قوي وحكومة تنجز.

سابعاً: الرسالة الأهم... المطلوب ترجمة الخطاب إلى برنامج عمل

إذا كان خطاب العرش قد رسم الأولويات، فإن المسؤولية تقع على الحكومة ومجلس الأمة. فلا قيمة لأي خطاب إذا لم يتحول إلى برنامج تنفيذي واضح بمدد زمنية ومؤشرات أداء ومحاسبة للمقصرين. الأردنيون يريدون نتائج ملموسة في مكافحة الفساد وتحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل وحماية المال العام.

يجب ألا تتحول التوجيهات الملكية إلى عناوين في البيانات الرسمية، بل إلى أساس للمساءلة والتقييم.

الخلاصة: الأردن أولاً... والدولة القوية تبدأ بمواطن مطمئن

إن خطاب جلالة الملك حمل رسائل واضحة وأعاد التأكيد على ثوابت الدولة: الأمن، والوحدة الوطنية، وسيادة القانون، وكرامة المواطن، واحترام الدستور.

ومن موقعنا في حزب نماء، نرى أن المرحلة تتطلب الانتقال من تشخيص التحديات إلى المعالجة الحقيقية، ومن الوعود إلى الإنجاز. فالولاء للوطن لا يتعارض مع النقد المسؤول، ودعم الدولة لا يعني السكوت عن الخلل، بل إن الموقف الوطني الصادق هو الذي يساند الإنجاز وينبه إلى التقصير.

إن الأردن أكبر من الأزمات وأقوى من التحديات، لكن قوته تكتمل عندما يشعر كل مواطن بأن القانون يحميه والعدالة تنصفه.

حفظ الله الأردن وحفظ قيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية.

صادر عن المكتب السياسي لحزب نماء
رئيس المكتب السياسي
عوني الرجوب

عمان - 2 / 11 / 2026