نجح فريق بحثي من جامعة كامبريدج في فك شفرة العلاقة المعقدة بين مريء باريت وسرطان المريء الغدي، وهي العلاقة التي ظلت لسنوات طويلة تمثل لغزا طبيا يحير العلماء. وتعد حالة مريء باريت تغيرا في طبيعة خلايا بطانة المريء السفلية لتصبح شبيهة بأنسجة الأمعاء نتيجة تعرضها المستمر لأحماض المعدة، خاصة لدى المصابين بالارتجاع المزمن. واوضحت الدراسات ان هذا التحول النسيجي بحد ذاته لا يعتبر سرطانا، لكنه يمثل محطة مفصلية وخطيرة قد تسبق ظهور الأورام الخبيثة في المريء.
وبينت النتائج ان اختفاء خلايا باريت عند تشخيص بعض حالات السرطان كان العائق الأساسي أمام فهم مسار المرض، حيث ظل هذا الاختفاء يربك الأطباء رغم وجود مؤشرات قوية على الارتباط الوثيق بينهما. واكدت البروفيسورة ريبيكا فيتزجيرالد، مديرة معهد السرطان المبكر، أن مريء باريت يعمل كعلامة تنبؤية حيوية، مما يفتح آفاقا جديدة للكشف المبكر عن هذا النوع من السرطانات التي تهدد حياة الكثيرين.
واظهرت الدراسة التي شملت آلاف المرضى اعتماد الباحثين على تقنيات التسلسل الجينومي وتحليل البيانات السريرية، بهدف تحديد الخريطة الوراثية التي تحكم نشوء المرض. واضاف العلماء أن تحليل العينات أثبت وجود مسارات جينية محددة، مما يعزز من فرضية أن مريء باريت هو المسار الأساسي الذي يمهد الطريق لنشوء سرطان المريء الغدي، وهو ما يغير من نظرة الطب الحديث لهذه الحالة المرضية.
كشف مسار نشوء سرطان المريء الغدي
افترض الباحثون وجود مسارات بيولوجية متعددة تفسر كيفية تطور الخلايا السرطانية في المريء. واشاروا إلى احتمالين رئيسيين، الأول يفترض نشوء المرض بوجود حالة باريت أو بدونها، والثاني يرجح وجود نقطة بداية واحدة مشتركة تجعل من مريء باريت المسار الحتمي الوحيد. وشدد الفريق على أن هذا المسار الثاني هو الأكثر دعما بالدلائل العلمية نظرا لتطابق الخصائص الجينية لدى المرضى الذين أظهروا هذه التحولات النسيجية.
واكدت الأبحاث أن الجوانب الوراثية تلعب دورا حاسما في تحفيز الخلايا، حيث تبين أن بعض العوامل الجينية تعمل كمحرك رئيسي لهذا التحول. وبناء على ذلك، يرى المختصون أن فهم هذه المسارات ليس مجرد جهد نظري، بل هو خطوة عملية لتمكين الأطباء من التدخل في الوقت المناسب قبل أن تتفاقم الحالة وتتحول إلى ورم سرطاني صريح.
وكشفت التحليلات أن الخلايا السرطانية تظهر سلوكا عدائيا تجاه الخلايا السليمة، حيث تعمل على إحلال نفسها مكان الأنسجة الطبيعية. وأوضح الباحثون أن هذا السلوك يفسر سبب صعوبة رصد خلايا باريت في المراحل المتأخرة، حيث تلتهم الأنسجة السرطانية كل الأدلة السابقة وتدمرها أثناء نموها وتوسعها داخل المريء.
ماذا أظهرت النتائج؟
لم ترصد الفحوصات أي فروق جينية جوهرية بين الخلايا السرطانية بعد معاينتها، مما يرسخ القناعة بأن مريء باريت هو المصدر الرئيسي لظهور السرطان. واضافت النتائج مفاجأة علمية بأن بعض المرضى لم تظهر لديهم علامات باريت، وهو ما يرجع إلى تدمير تلك الخلايا بفعل التكاثر السرطاني السريع. وتابعت الدراسة أن بروتينات مثل TFF3 وREG4 كانت حاضرة دائما، مما يجعلها مؤشرات حيوية لا تقدر بثمن في التشخيص المبكر.
وبينت الدكتورة شهريار زماني أن الوقاية تبدأ من معالجة مريء باريت بشكل جذري، لأن هذا الإجراء يقطع الطريق أمام تطور الخلايا نحو المسار السرطاني. وأكدت أن الاعتماد على البروتينات المكتشفة كأداة فحص دوري قد يغير قواعد اللعبة في التعامل مع هذا المرض. وأوضحت أن هذه البروتينات يمكنها كشف الخطر حتى قبل ظهور أعراض سريرية واضحة على المريض.
واظهرت البيانات أن نسبة كبيرة من المرضى الذين يعانون من حالات متقدمة لم تظهر لديهم آثار واضحة لمريء باريت، مما دفع الباحثين لاستنتاج أن الخلايا السرطانية تمحو آثار الحالة الأصلية. وأكدت الدراسة ضرورة إعادة تقييم بروتوكولات الفحص، بحيث لا يتم استبعاد خطر السرطان لمجرد خلو المريء من علامات باريت الظاهرة، بل يجب البحث عن المؤشرات البروتينية الدقيقة.
دراسات سابقة أكدت ودعمت
تأتي هذه الاكتشافات لتتوج جهودا بحثية سابقة سعت لفهم الغموض المحيط بالعلاقة بين المريء والمعدة. واكدت دراسات عام 2021 أن الخلايا في منطقة سدفة المعدة تتعرض لسلسلة من التغيرات التي تحولها إلى خلايا باريت. وأضاف العلماء أن هذه التحولات مدفوعة بطفرات جينية محددة، مما يجعلها نقطة انطلاق لنمو الأورام الغدية في المريء.
وبينت التحليلات النسيجية تشابها كبيرا بين أنسجة المعدة وخلايا باريت، وهو ما يفسر لماذا تبدأ الخلايا في انتحال هوية مختلفة تماما عن موقعها الأصلي. وأكدت الدراسات أن الجينات مثل c-MYC وHNF4A هي المحرك الأساسي لهذه التحولات الجذرية. وتابعت الأبحاث أن هذه الجينات تدفع الخلايا نحو التكاثر غير المنضبط، مما يمهد الطريق لتكوين أنسجة سرطانية في منطقة المريء.
وكشفت التقنيات الحديثة أن فهم الجينوم الخاص بالخلايا المصابة يتيح رؤية واضحة لمسار المرض من بدايته وحتى مراحله الأخيرة. وأوضح الباحثون أن الربط بين هذه النتائج والدراسات السابقة يعزز من فرضية وجود مسار موحد للسرطان. وشددوا على أن هذه المعرفة المتراكمة تمنح الأطباء قدرة أكبر على التنبؤ بسلوك المرض وتطوره لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
عوامل الخطر والوقاية
أكد الأطباء أن الارتجاع المعدي المريئي المزمن يظل السبب الأول والأكثر شيوعا لظهور مريء باريت. وبينت الدراسات أن التعرض المتكرر لأحماض المعدة يسبب تهيجا مزمنا يجبر خلايا المريء على تغيير طبيعتها كآلية دفاعية، وهو ما يؤدي إلى ظهور الخلايا الكأسية. واضافت النتائج أن فتق الحجاب الحاجز وبعض الأمراض المزمنة الأخرى تزيد من فرص الإصابة بهذه الحالة بشكل ملحوظ.
وتابعت الإرشادات الطبية أن الرجال وكبار السن هم الأكثر عرضة لهذه الحالة، مما يستدعي مراقبة صحية دقيقة لهذه الفئات. واكدت الأبحاث أن إجراء الفحوصات الدورية يظل الأداة الأفضل للكشف عن مريء باريت قبل تحوله لمرحلة خطرة. وأوضحت أن تبني نمط حياة صحي والسيطرة على الارتجاع المعدي يمكن أن يقلل بشكل كبير من احتمالية التعرض لمضاعفات سرطان المريء.
واختتمت الدراسات بالتأكيد على أن الوعي بالعوامل المسببة، مثل عدوى الجرثومة الحلزونية واستخدام الأدوية لفترات طويلة، يعد جزءا لا يتجزأ من استراتيجية الوقاية. وبينت أن التطور في تقنيات الفحص النسيجي يمنح المرضى فرصة أكبر للنجاة. وشدد العلماء على ضرورة عدم تجاهل أي أعراض للارتجاع، باعتبارها إنذارا مبكرا يستوجب استشارة طبية عاجلة لتجنب التحولات النسيجية الخطيرة.
