كشف اكاديميون ونشطاء عن تقرير مفصل يوثق عمليات استهداف ممنهجة طالت النخبة العلمية والبحثية في قطاع غزة خلال الحرب الراهنة، حيث يسلط التقرير الضوء على قصص عشرات الاساتذة والباحثين الذين قضوا نحبهم تحت انقاض منازلهم او اماكن نزوحهم، ويشكل هذا العمل مرجعا اساسيا لموقع الكتروني جديد يهدف الى حفظ ذاكرة العلماء الفلسطينيين الذين رحلوا خلال هذه الابادة الجماعية.
واكد معدو التقرير ان ما تعرض له الوسط الاكاديمي يمثل جريمة كبرى تستوجب التحرك الدولي العاجل، مبينين ان الضحايا لم يكونوا مجرد ارقام بل كانوا قامات علمية مرموقة لها بصمات واضحة في ميادين الفيزياء والهندسة والطب والعلوم الانسانية، واشار التقرير الى ان هذه الخسارة لا تمس فلسطين وحدها بل تترك فراغا كبيرا في المجتمع الفكري العالمي نظرا للمكانة العلمية التي كان يتمتع بها هؤلاء الباحثون.
واستعرض التقرير نماذج بارزة من الشهداء، مثل عالم الفيزياء سفيان تايه رئيس الجامعة الاسلامية وصاحب كرسي اليونسكو للفيزياء، والمهندس خالد الرملاوي، والمحاضرة الشابة رولا عبد الجواد، موضحا ان هؤلاء وغيرهم من الاساتذة والباحثين سقطوا في سلسلة من الهجمات التي لم تستثن احدا، وشكلت هذه المبادرة وسيلة للمطالبة بمحاسبة المتورطين في هذه الجرائم وتخليد ذكرى المبدعين الذين فقدتهم المؤسسات التعليمية.
تدمير منهجي للبنية التحتية التعليمية
وبين التقرير ان الاستهداف لم يقتصر على الكوادر البشرية بل امتد ليشمل تدميرا كاملا للمنظومة التعليمية في القطاع، حيث تم تدمير كافة الجامعات الاثنتي عشرة العاملة في غزة بالاضافة الى مؤسسات تعليمية اخرى، واوضح ان اكثر من سبعة وخمسين مبنى جامعيا تضم مختبرات ومكتبات ومتاحف قد سويت بالارض نتيجة القصف المباشر او التفجير المتعمد بعد تحويل بعضها الى ثكنات عسكرية.
واكد الباحثون ان نموذج جامعة الاسراء يمثل دليلا صارخا على هذا النهج، حيث فجرها الجيش الاسرائيلي بالكامل باستخدام مئات الالغام بعد احتلالها، واضاف التقرير ان تسجيلات مصورة وثقت لحظات احتفال الجنود اثناء تدمير القاعات والمختبرات والمتحف الوطني الذي كان يضم كنوزا اثرية، محذرين من ان ما يحدث يندرج تحت مصطلح الابادة المدرسية التي تهدف الى كسر ارادة الشعب الفلسطيني وتجريده من ادوات المعرفة.
واوضح التقرير ان اكثر من سبعة وثمانين الف طالب وطالبة باتوا اليوم بلا جامعات، بينما استشهد اكثر من الف ومئتي طالب جامعي ومئات الاكاديميين، مبينا ان هؤلاء الاساتذة كانوا يمثلون حجر الزاوية في اعداد الاجيال القادمة من الاطباء والمهندسين والعلماء، واشار الى ان الكثير منهم عادوا الى غزة بعد اتمام دراستهم في الخارج ليساهموا في بناء مجتمعهم رغم الحصار الخانق ونقص الموارد الذي عانوا منه لسنوات.
ارشفة الذاكرة العلمية الفلسطينية
وكشفت المبادرة عن اطلاق ارشيف رقمي حي عبر موقع الكتروني مخصص لجمع السير الذاتية للعلماء والباحثين، واضاف القائمون على المشروع ان الموقع يعمل كأرشيف قيد التشكل يضم بيانات تفصيلية عن المسار العلمي والبحثي للضحايا وظروف استشهادهم، مؤكدين ان العمل مستمر لجمع المعلومات من عائلات الضحايا والمؤسسات الحقوقية لتحديث المحتوى بشكل دوري.
واكد التقرير ان الهدف الاسمى من هذا العمل هو ضمان عدم نسيان الاسماء التي صنعت الفكر الفلسطيني، موضحا ان كل صفحة على الموقع تمثل رسالة وفاء لمن كرسوا حياتهم للعلم والتعليم، واضاف القائمون على الموقع انهم يواصلون رصد كل المعلومات الجديدة المتعلقة بالكوادر الاكاديمية التي فقدت خلال هذه الحرب لضمان بقاء ارثهم العلمي حيا في ذاكرة الاجيال القادمة.
