اكد وزير الثقافة مصطفى الرواشدة ان مشروع السردية الاردنية يتجاوز مجرد سرد الاحداث التاريخية المرتبطة بالجغرافيا، ليشمل فهما عميقا للنشاط الانساني والتحولات الجذرية التي شهدتها الارض الاردنية عبر العصور. واوضح ان هذا المشروع يهدف الى رصد الاثر العميق الذي تركه الانسان في وجدان الاردنيين، مما يساهم في بناء ركائز قوية لمستقبل الدولة وحاضرها المشرق. وكشف ان هذا التوجه ياتي ضمن برنامج حوارات الثقافي الذي اطلقته الوزارة لتعزيز التفاعل في مختلف محافظات المملكة.

وبين الرواشدة خلال ندوة حوارية اقيمت في مدينة جرش بعنوان الاردن الارض والانسان، ان هذا المشروع الوطني انطلق برعاية سمو ولي العهد الامير الحسين بن عبدالله الثاني من مدينة الطفيلة، ليشكل محطة مفصلية في مسار توثيق الارث الحضاري. واضاف ان الاردن يمثل خزينة تاريخية غنية بالآثار التي تروي قصة استيطان الانسان لهذه الارض منذ فجر التاريخ، مشددا على حق الاجيال في الفخر بهذا الموروث والعمل على حفظه.

واشار الوزير الى ان اختيار جرش لاقامة هذه الندوة يحمل دلالات رمزية وتاريخية كبيرة، كونها تعد من ابرز المدن الرومانية عالميا وتلقب ببومبي الشرق. واكد ان تاريخ جرش الذي يمتد الى العصر البرونزي وتطورها كمركز حضاري في العصر الاموي، يمنحها مكانة خاصة في السردية الوطنية، فهي مدينة عريقة شهدت ازدهارا اقتصاديا وثقافيا مستمرا على مر العصور.

جرش حارسة التراث والهوية الوطنية

واضاف الرواشدة ان جرش تحولت منذ نهاية القرن التاسع عشر الى وجهة ثقافية وسياحية عالمية تستقطب المبدعين والفنانين من شتى بقاع الارض. وبين ان المدينة حافظت على اصالتها كحاضنة للحرف والفنون الشعبية والازياء، فضلا عن كونها مسرحا للفنون والادب والسينما، مما يعزز حضورها القوي في تشكيل الهوية الوطنية الاردنية.

واكد امين عام وزارة الثقافة نضال العياصرة، ان جرش تحتل موقعا استراتيجيا في المسارات السياحية والدينية، لافتا الى اكتشاف اكثر من 23 كنيسة تعكس التنوع التاريخي للمدينة. واضاف ان الاكتشافات الاثرية اثبتت وجود استيطان اسلامي بارز بالقرب من المعالم التاريخية، مع وجود مساجد عتيقة في مناطق ريمون وساكب وسوف تؤكد عمق التجذر الاسلامي في المنطقة.

وتابع العياصرة حديثه مبينا ان منطقة دبين تعد مركزا روحيا مهما يضم دير الينبوع وكنيسة الاقمار الثلاثة، مما يجعل من جرش متحفا مفتوحا يجمع بين التاريخ الديني والحضاري. واشار الى ان هذه المعالم توثق مراحل تاريخية هامة بدأت منذ العصور الرومانية وصولا الى الفترات الاسلامية المتعاقبة التي اسهمت في صياغة ملامح المدينة الحالية.

نحو توثيق تاريخي متصل للاردن

وقال الاكاديمي عمر الغول ان مشروع السردية الوطنية يسعى الى تقديم عمل تاريخي متسلسل يربط المراحل الزمنية للاردن منذ العصور الحجرية وحتى العصر الحديث. واضاف ان هذا العمل يقدم التاريخ بأسلوب مبسط وواضح بعيدا عن التعقيدات المنهجية ليصبح متاحا لكل القراء، موضحا ان المشروع في مراحله النهائية ليقدم صورة متكاملة عن تاريخ الاردن الممتد لملايين السنين.

واكد الوزير الاسبق مفلح الرحيمي ان العادات والتقاليد في جرش تشكل جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية، داعيا الى التمسك بالقيم الايجابية التي تعزز التماسك المجتمعي. واضاف ان مظاهر التكافل الاجتماعي والفزعة في المناسبات الجرشية تعد تجسيدا حييا للقيم الاردنية الاصيلة التي ساهمت في استقرار المجتمع وتلاحمه عبر الزمن.

واشار الرحيمي في ختام حديثه الى ضرورة توثيق هذه الممارسات الاجتماعية ضمن السردية الوطنية، لضمان انتقالها الى الاجيال القادمة كجزء من الارث غير المادي الذي يميز الشخصية الاردنية. واضاف ان المحافظة على هذه الاعراف تعد واجبا وطنيا موازيا لتوثيق الاثار والمواقع التاريخية، مما يضمن تكامل السردية بين الحجر والانسان.