في مشهد يعكس قوة الارادة الفلسطينية وقدرة سكان قطاع غزة على التمسك بالحياة رغم قسوة الظروف، عادت زغاريد الافراح لتصدح مجددا في سماء القطاع، قاطعة صمت الحصار ودوي الغارات المستمرة. ومع تزايد التحديات الامنية والاقتصادية، يصر الغزيون على اقامة مناسباتهم الاجتماعية في مختلف المناطق، بدءا من خيام النزوح في مواصي خان يونس وصولا الى مخيم الشاطئ وحي الشجاعية، محولين اماكن الركام الى مساحات للفرح والامل.
واوضحت الاء موسى، التي فقدت زوجها في غارة سابقة، ان قرارها بالزواج من جديد وسط خيام النازحين نابع من رغبة ملحة في استعادة دفء العائلة. واكدت في حديثها ان المهور اصبحت تفصيلا ثانويا في ظل الواقع المرير، مشيرة الى انها اكتفت بمهر رمزي لتيسير زواجها الذي اقيم في ظروف استثنائية، موضحة ان الهدف هو بناء حياة جديدة رغم استمرار العدوان.
وبينت الاء ان تقبلها للزواج من رجل فقد زوجته واطفاله يعكس روح التكافل الاجتماعي في غزة، حيث تسعى جاهدة لتربية اطفال زوجها كأنهم ابناؤها، مؤكدة ان الانتقادات الاجتماعية لم تكن عائقا امام طموحها في العيش بكرامة وتجاوز مرارة الفقد التي خلفتها الحرب.
تحدي القيود والواقع الاقتصادي
واكد الشاب عبد الله فرحات، وهو احد سكان مخيم الشاطئ، ان الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعيشها القطاع لم تمنعه من الاقدام على خطوة الزواج. واضاف انه تجاوز كل الانتقادات التي واجهته بسبب الفوارق العمرية او الارتباط بأرملة، مشددا على ان قناعته نابعة من البحث عن شريك حياة يشاركه مواجهة الواقع الجديد الذي فرضته الحرب على الجميع.
واشار فرحات الى ان اقامة حفل الزفاف في مركز ايواء كانت رسالة تحدي واضحة، مبينا ان التمسك بحق بناء اسرة هو انتصار للحياة على الموت. وتابع ان هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من التأجيل القسري بسبب البطالة والفقر اللذين تفاقما بشكل حاد خلال العامين الماضيين، مما جعله يصر على اتمام مراسم الزفاف رغم تواضع الامكانيات.
واضاف ان القبول المتبادل بينه وبين زوجته كان الدافع الاكبر لتجاوز العقبات الاجتماعية، موضحا ان الحياة في مراكز الايواء لم تعد تمنع الشباب من التفكير في مستقبلهم الشخصي، بل اصبحت دافعا اكبر للبحث عن الاستقرار العاطفي والاجتماعي في ظل غياب الافق السياسي الواضح.
عودة الصالات ومبادرات التكافل
وبين ايمن محيسن، من حي الشجاعية، ان عودة قاعات الافراح للعمل بشكل تدريجي اعادت شيئا من التقاليد المفقودة الى القطاع. واوضح انه اضطر للاقتراض من اجل اقامة حفل زفافه، مشددا على انه غير نادم على هذا القرار، معتبرا ان افراح غزة هي طقس سنوي للحياة يجب ان يستمر مهما بلغت التضحيات والخسائر البشرية والمادية.
واكد محيسن ان تكاليف الزواج مرتفعة للغاية بسبب غلاء الاسعار والحاجة لتشغيل المولدات الخاصة في ظل انقطاع الكهرباء، مما يجعل اقامة حفل زفاف عبئا ماليا كبيرا. واضاف ان الكثير من الازواج الشباب يعتمدون اليوم على مبادرات المؤسسات الخيرية التي بدأت في تنظيم حفلات الزواج الجماعي لتخفيف الاعباء عن الاف الشباب الراغبين في تكوين اسرهم.
وكشفت المعطيات الميدانية ان المستثمرين بدأوا في محاولات لترميم قطاع الافراح، الا ان الاسعار تظل عائقا امام الكثيرين. واضاف اصحاب الصالات ان التكاليف التشغيلية المرتفعة هي السبب الرئيسي وراء غلاء الاسعار، مؤكدين في الوقت ذاته ان الاقبال على هذه القاعات يعكس رغبة الغزيين في استعادة حياتهم الطبيعية ولو بشكل جزئي ومؤقت.
