لا تزال جراح النكبة الفلسطينية تنزف في الذاكرة الجمعية للاجئين في لبنان، حيث تتداخل تفاصيل التهجير الاول مع واقعهم المعاش تحت وطاة الغارات الاسرائيلية المكثفة التي تستهدف المخيمات. يرى اللاجئون في مخيم عين الحلوة ان معاناتهم ليست مجرد تاريخ مضى، بل هي حكاية متصلة تعيد انتاج نفسها في ظل ظروف امنية واقتصادية خانقة تزيد من مرارة اللجوء. واكد كبار السن انهم مستمرون في توريث مفاتيح بيوتهم الاصلية واسماء قراهم لاحفادهم، تعبيرا عن تمسكهم الراسخ بحق العودة رغم تقادم الزمن ومحاولات طمس الهوية.

وكشفت الفلسطينية زكية حسنين، التي عاصرت بدايات النكبة، عن تفاصيل رحلة النزوح القاسية من مدينة حيفا، مبينة ان عائلتها تركت خلفها كل شيء على امل العودة بعد ايام، لكن تلك الايام تحولت الى عقود من الشتات. واضافت ان فكرة العودة ظلت حاضرة بقوة في وجدانها رغم فقدان افراد من عائلتها خلال رحلة التيه، مشددة على ضرورة ان تظل الاجيال الشابة متمسكة بارضها وعدم الرضوخ لاي بدائل قد تفرضها الازمات المتلاحقة.

واوضحت اللاجئة بهية صالح ان مسار نزوحها الطويل من بلدة سبلان مر بمحطات قاسية في لبنان، حيث اضطرت للتنقل تحت جنح الليل في طرق وعرة، واصفة تلك اللحظات بانها كانت مليئة بالخوف والالم الذي لا يزال عالقا في ذاكرتها حتى اليوم. واضافت ان توثيق هذه الشهادات يعد جزءا اساسيا من الحفاظ على الحكاية الفلسطينية، وضمان انتقالها من جيل الى جيل كوثيقة حية لا يمكن محوها او نسيانها.

واقع اللجوء تحت وطاة التصعيد

وبينت بيانات الامم المتحدة ان مخيم عين الحلوة يشهد اكتظاظا سكانيا كبيرا، حيث يعيش عشرات الالاف من اللاجئين في ظروف انسانية صعبة تضاعفت مع استمرار العمليات العسكرية الاسرائيلية. واكدت التقارير ان استهداف المناطق المكتظة بالسكان يؤدي الى تفاقم المعاناة المعيشية ويزيد من حدة النزوح الداخلي، مما يجعل حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سلسلة من الازمات المستمرة التي تتطلب تدخلا عاجلا وتضامنا دوليا.

واظهرت الاحصائيات ان معاناة الفلسطينيين في الشتات تتزامن مع تصعيد عسكري موسع، حيث يواجه قطاع غزة حرب تدمير واسعة النطاق، بينما تستمر الغارات على لبنان في حصد ارواح المدنيين وتشريد الالاف. واوضح المحللون ان هذه الاحداث تؤكد ان النكبة ليست حدثا تاريخيا منتهيا، بل هي عملية مستمرة تهدف الى تقويض الوجود الفلسطيني وكسر ارادة الصمود التي يتسلح بها اللاجئون في كل مكان.

وشدد اللاجئون في مخيمات لبنان على ان تمسكهم بحق العودة يزداد قوة كلما زادت الضغوط، معتبرين ان الحفاظ على الذاكرة هو السلاح الاخير في مواجهة محاولات التهجير المستمرة. واضافوا انهم، رغم كل ما يحيط بهم من دمار وتهديدات، سيظلون يتطلعون الى اليوم الذي يفتحون فيه ابواب بيوتهم الاصلية، مؤكدين ان الهوية الفلسطينية ستظل اقوى من كل محاولات المحو والنسيان.