تمر ذكرى توقيع اتفاق اوسلو وسط تساؤلات جوهرية حول ما تبقى من تلك التسوية على الارض بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود. لم يعد الحديث اليوم مقتصرا على نجاح او فشل الاتفاق السياسي بل انتقل الى واقع ميداني بات يهدد الوجود الفلسطيني الجغرافي بشكل كامل. كشفت المعطيات الميدانية ان التوسع الاستيطاني المتسارع وشق الطرق الالتفافية وبناء الجدار العازل اعادت رسم خريطة الضفة الغربية بطريقة تجعل من فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة ضربا من الخيال.

وبينت الارقام الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ارتفاع اعداد المستوطنين بشكل لافت من نحو 268 الف مستوطن في عام 1993 الى ما يقارب 780 الف مستوطن يتوزعون على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية. واظهرت الدراسات ان الواقع الذي تشكل بفعل الاجراءات الاحتلالية المتراكمة خلق هوة سحيقة بين الوعود السياسية التي قدمت للفلسطينيين وبين الجغرافيا التي تم تمزيقها فعليا.

واكدت التقارير ان الاستيطان لم يعد محصورا في مساحات معينة بل امتد ليشمل ادوات غير مباشرة لاختراق المناطق المصنفة اداريا تحت سيطرة فلسطينية. واوضحت ان سياسة فرض الامر الواقع جعلت من الضفة الغربية جسدا مقطعا تعجز فيه التجمعات السكانية عن التواصل فيما بينها.

تقسيمات فقدت قيمتها القانونية

وبين معهد الابحاث التطبيقية اريج في دراسة حديثة له ان الضفة الغربية التي تبلغ مساحتها 5860 كيلومترا مربعا تعرضت لعمليات هندسة ديموغرافية وجغرافية قوضت تقسيمات اتفاق اوسلو. واشار الى ان المناطق (أ) و(ب) و(ج) التي وضعت كاطار مؤقت تحولت الى ساحات مفتوحة لنفوذ المستوطنات الذي بات يتجاوز الحدود الرسمية للمناطق المخصصة له.

واضاف المعهد ان المنطقة (ج) التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة اصبحت المجال الرئيسي للبنية التحتية الاستيطانية. وكشفت التحليلات ان نحو 42% من هذه المنطقة تخضع لاجراءات استيطانية مباشرة بينما تم تصنيف مساحات واسعة كأراضي دولة او مناطق تدريب عسكري لضمان السيطرة الاسرائيلية المطلقة.

واكدت البيانات ان التآكل في الحدود الوظيفية بين هذه المناطق اصبح سمة المرحلة الحالية. واوضحت ان استخدام ادوات التخطيط والبنية التحتية سمح لاسرائيل بتجاوز القيود القانونية الظاهرية والسيطرة على اراض زراعية ومفتوحة داخل مناطق (أ) و(ب) دون الحاجة لقرارات سياسية معلنة.

تفتيت النسيج الفلسطيني

وكشفت التطورات ان تداخل النفوذ الاستيطاني افرغ التقسيمات الادارية من مضمونها السياسي. واوضحت ان انشاء بؤر استيطانية غير رسمية وتوسيع نطاق النفوذ البلدي للمستوطنات ساهم في تحويل المناطق الفلسطينية الى جزر معزولة تفتقر الى اي امتداد جغرافي طبيعي.

واضاف الخبراء ان مشاريع الطرق الالتفافية والأنفاق في منطقة (E1) لعبت دورا محوريا في اعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية. واكدوا ان هذه الادوات تهدف الى تقويض الاسس الجغرافية لاي تسوية مستقبلية وجعل التجمعات السكانية الفلسطينية تحت رحمة السيطرة الامنية الاسرائيلية.

وذكرت المصادر ان حجم النفوذ الاستيطاني امتد ليشمل اراضٍ زراعية تقع في عمق المناطق المصنفة (ب) و(أ). وبينت ان التحول الميداني منذ منتصف عام 2024 شهد انشاء بؤر استيطانية جديدة تهدف الى تعزيز الوجود الاستيطاني في قلب التجمعات الريفية الفلسطينية.

الواقع الاستيطاني والقانون الدولي

واوضح مدير دائرة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حسن بريجية ان التغيرات الجغرافية ليست وليدة الصدفة بل هي نتاج دعم سياسي دولي غطى على ممارسات الاحتلال. واكد ان اسرائيل تعتمد على استغلال الضعف في الموقف الدولي لتنفيذ مخططاتها التوسعية ومنع اي بناء فلسطيني في معظم مناطق الضفة الغربية.

وشدد بريجية على ان الاستيطان بجميع اشكاله يتناقض مع القرارات الدولية بما فيها القرار 2334 الصادر عن مجلس الامن. واشار الى ان محكمة العدل الدولية دعت بوضوح الى وقف الاحتلال طويل الامد وكل الانشطة الاستيطانية غير الشرعية التي تعيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

واضاف ان الحكومة الاسرائيلية اليمينية الحالية ترى في المرحلة الراهنة فرصة ذهبية لتكريس سيطرتها المطلقة. وبين ان هذه التوجهات تهدف الى شطب اي اثر لاتفاقيات اوسلو وتجاوز كل المحرمات التي كانت قائمة سابقا فيما يتعلق بالاستيطان والارض.

مستقبل الاتفاق في نظر النخب

وقال الاكاديمي المختص في الشأن الاسرائيلي محمد هلسة ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة تعاملت مع اوسلو كاداة امنية وادارية وليست كمسار سياسي نحو السلام. واوضح ان فكرة الدولة الفلسطينية لم تكن يوما هدفا للنخب الاسرائيلية التي رأت في الاتفاق مجرد محطة عبور مؤقتة.

واضاف ان صعود اليمين الديني والقومي عزز من التوجهات الساعية لسحق السلطة الفلسطينية والغاء الالتزامات المتبقية. واكد ان الاحزاب اليمينية المتطرفة تطرح اليوم مشاريع قوانين صريحة لانهاء الاتفاقية وعدم الاعتراف باي حقوق سياسية للفلسطينيين.

واختتم هلسة موضحا ان النخب السياسية والامنية في اسرائيل تنظر الى اتفاق اوسلو كجثة هامدة لا تحمل سوى الاسم. واكد ان الاجماع الاسرائيلي اليوم يتجه نحو رفض الكينونة الفلسطينية والتركيز على التهجير او الاكتفاء بسلطة ادارية تفتقر الى السيادة والقرار.