بقلم: مؤيد أحمد المجالي
في الخامس عشر من أيار، لا يستعيد الأحرار ذكرى عابرة من التاريخ، بل يفتحون جرحًا لم يُغلق منذ عام 1948.
إنها ليست مجرد مناسبة سياسية، ولا أرشيفًا محفوظًا في الكتب والصور القديمة، بل قصة شعب ما زال يعيش آثار النكبة جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت الذاكرة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة.
النكبة لم تكن فقط سقوط مدن وقرى، بل سقوط عالم كامل من حياة الناس البسطاء؛ مفاتيح البيوت التي تحولت إلى رموز، والحقول التي بقيت معلقة في الحكايات، والأسماء التي نجت من المحو عبر أفواه الجدات.
وحين يُقال إن فلسطين نُكبت، فالمقصود ليس الأرض وحدها، بل الإنسان الذي اقتُلع من تفاصيل يومه، من شجرته، من نافذته، ومن يقينه البسيط بأن البيت لا يمكن أن يتحول يومًا إلى ذكرى.
ورغم مرور عقود طويلة، لم تتحول القضية الفلسطينية إلى حدث تاريخي منتهي الصلاحية كما أراد كثيرون.
فالنكبة لم تبقَ حبيسة عام 1948، بل امتدت بأشكال مختلفة: حصار، احتلال، تهجير، وحروب متكررة أعادت إنتاج الألم نفسه بأسماء جديدة وصور أكثر قسوة.
ولهذا، فإن أخطر ما في النكبة ليس ما حدث فقط، بل استمرار العالم في التعايش مع نتائجها كأنها أمر اعتيادي.
لكن ما يثير الدهشة حقًا أن شعبًا عاش كل هذا الخراب ما زال قادرًا على حماية روايته من الضياع.
ففي زمن تُصنع فيه الحقائق بالقوة الإعلامية والسياسية، بقي الأحرار يقاتلون بالكلمة والصورة والذاكرة.
وكل طفل يحفظ اسم قريته التي لم يرها، وكل أم تحتفظ بمفتاح بيت هُدم منذ عقود، هو إعلان واضح بأن القضية لم تمت، وأن الرواية الأصلية ما زالت حية رغم محاولات الطمس.
لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكنه يفشل دائمًا في السيطرة الكاملة على الوعي.
ولهذا، بقيت فلسطين حاضرة في الضمير الإنساني، لا لأنها مجرد نزاع سياسي، بل لأنها تحولت إلى سؤال أخلاقي مفتوح أمام العالم كله:
كيف يمكن لشعب أن يُطلب منه نسيان وطنه فقط لأن الزمن مرّ؟
وفي ذكرى النكبة، لا يحتاج الفلسطيني إلى خطاب عاطفي بقدر ما يحتاج العالم إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة.
فالقضية لم تبدأ من نشرات الأخبار الحديثة، بل من اقتلاع تاريخ كامل ما زالت آثاره تمشي بين الناس حتى اليوم.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت فلسطين مختلفة عن كل القضايا؛
لأنها لم تعد مجرد أرض متنازع عليها، بل تحولت إلى اختبار دائم لمعنى العدالة، وامتحان طويل لذاكرة لا تريد أن تموت.
