25 أيار / مايو 2026


بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع


ثمّةَ طرقٌ كثيرة لقراءة قصّة وطن. فالمؤرّخ يقرؤها من خلال التواريخ والمعاهدات، والشاعر يقرؤها عبر الرموز والمشاعر. أمّا نحن الذين أمضينا حياتنا العملية في البناء — في تصميم الأنظمة، وإدارة المشاريع، وإقامة الصناعات من الصفر، فلا يسعنا إلّا أن نقرأ قصّة الأردن باعتبارها أطول مشروع وأكثره طموحاً: مشروعٌ لا يُقاس بالأشهر ولا بالأرباع السنوية، بل بالعقود والأجيال.
في هذا العيد الثمانين للاستقلال، أجدني منجذباً إلى التأمّل الهادئ في معنى ثمانين عاماً من البناء، أكثر من انجذابي إلى مظاهر الاحتفال.
ففي عام 1946، ورث الأردن أرضاً ذات جمالٍ هائل، لكنّها محدودة القاعدة الصناعية. لم تكن هناك طرق رئيسية تربط الشمال بالجنوب، ولا شبكة كهرباء متكاملة، ولا شبكة مياه وطنية، ولا مطار حديث، ولا جامعات، ولا صناعات متنوّعة. كان هناك شعبٌ قليل العدد، وقيادةٌ ذات عزيمة، وجغرافيا واسعة من الصحراء والوديان والعمق التاريخي. ومن هذه النقطة، بدأ العمل.
تأمّلوا ما الذي بُني خلال الثمانين عاماً التي تلت ذلك. شبكةٌ من الطرق الوطنية تربط اليوم كلّ محافظة من الرمثا إلى العقبة. وسكّة حديد الحجاز، التي كانت رمزاً لحقبةٍ مضت، أفسحت المجال أمام منظومةٍ متوسّعة من الخدمات اللوجستية البرّية والبحرية، حيث يقف ميناء العقبة بوّابةً تجاريّة للأردن وعقدةً استراتيجيّة لعموم المنطقة. ومشروع ناقل الديسي يَنقل المياه عبر مئات الكيلومترات في الصحراء إلى عمّان. ومحطة السمرا للكهرباء، ومزارع الطاقة المتجدّدة في معان والطفيلة، والطاقات الشمسية والريحية المتنامية في أنحاء المملكة، هذه ليست زخارف، بل هي شرايين الدولة الحديثة وجهازها العصبي، شُيّدت بأيدٍ أردنيّة، وعقولٍ أردنيّة، وقراراتٍ أردنيّة.
ولا تقلّ قصّة الصناعة روعةً عن ذلك. فمن الصناعات الأولى للفوسفات والبوتاس، نمت في الأردن قاعدةٌ تصنيعيّة متنوّعة تشمل اليوم الصناعات الدوائيّة التي تصدّر إلى أكثر من سبعين سوقاً، والصناعات الهندسية والكهروميكانيكية، وتصنيع الأغذية، والمنسوجات، والكيماويات، والبلاستيك، ومواد البناء، والخدمات القائمة على المعرفة بصورةٍ متصاعدة. والمناطق الصناعية المؤهَّلة، ومناطق التطوير في العقبة ومعان، والمدن الصناعية في سحاب والحسن والحسين، تمثّل كلّ واحدةٍ منها هندسةً مقصودة للفرصة، تحويلاً للأرض والعمل والسياسة إلى مصادر رزقٍ للناس.
ووراء كلّ إنجازٍ من هذه الإنجازات يقف إنجازٌ آخر أقلّ ظهوراً: بناء المؤسّسات. بنكٌ مركزيٌّ حَرَس استقرار الدينار عقوداً طويلة. قضاءٌ وجهازٌ مدني ومنظومةُ تعليمٍ عالٍ خرّجت مهندسين وأطبّاء ومهنيّين يُلمَس أثر عملهم من الخليج إلى أمريكا الشمالية وأوروبا. جامعاتٌ لم تكن موجودةً عام 1946 تخرّج اليوم عشرات الآلاف من الشباب الأردنيّين سنويّاً. مستشفياتٌ تعالج المرضى من شتّى أنحاء المنطقة. هيئاتٌ للمواصفات، وسلطاتٌ رقابيّة، ونقاباتٌ مهنيّة، تلك الآلة الصامتة التي لا يقوم بدونها اقتصادٌ حديث.
وبصفتي مدير مشاريع، أعلم أنّ أصعب جزءٍ في أيّ مشروعٍ كبير ليس البدء به، بل الحفاظ عليه. إنّه الانضباط اليومي في الصيانة، والعمل غير اللامع في استبدال ما يبلى، وتحديث ما يتقادم، وتقوية ما يَضعف تحت الحمل. الطريق يحتاج إلى إعادة تعبيد. الشبكة تحتاج إلى تحديث. المؤسّسة تحتاج إلى إصلاح. الاقتصاد يحتاج إلى إعادة توازنٍ دائمة. ثمانون عاماً من البناء هي في حقيقتها ثمانون عاماً من البناء وإعادة البناء معاً،  وكثيراً ما يكون الثاني أصعب من الأوّل.
ولهذا أعتقد أنّ عيد الاستقلال يستحقّ، إلى جانب الاحتفال، وقفة تقييمٍ صادقة. فالمهندس الجيّد، بعد ثمانين عاماً على أيّ مشروع، يطرح أسئلةً صادقة: ما الذي صمد جيّداً؟ وما الذي يحتاج إلى تقوية؟ وأين الاختناقات؟ وأين لم يعد التصميم يتوافق مع متطلّبات الحاضر؟ إنّ تحدّيات شُحّ المياه في الأردن، والاعتماد على استيراد الطاقة، وبطالة الشباب، والحاجة إلى اندماجٍ أعمق في سلاسل القيمة العالميّة، ليست إخفاقاتٍ لهذا المشروع، بل هي طوره القادم. كلّ جيلٍ يَرِث عمل الجيل الذي سبقه، ويُتوقَّع منه أن يترك البناء أمتن ممّا تَسلَّمه.
والخبر السار أنّ الأردن يملك اليوم ما تفتقر إليه معظم الدول الفتيّة في هذه المرحلة: عمقاً واسعاً من رأس المال البشري. فأهمّ صادراتنا لم تكن يوماً الفوسفات أو البوتاس، كانت ولا تزال الأردنيّ المتعلّم. مهندسون وأطبّاء وأكاديميّون وفنّيّون ومحاسبون وروّاد أعمال تدرّبوا هنا ويُسهمون اليوم في كلّ قارّة. وإن استطعنا أن نُهيّئ في الداخل ظروفاً تليق بطموحات هذا الجيل، عبر سياسةٍ صناعيّةٍ جادّة، وتحديثٍ تشريعيّ، وتسريعٍ للرقمنة، وتمكينٍ أعمق للقطاع الخاصّ، واستثمارٍ حقيقيّ في البحث العلمي والابتكار، فإنّ العشرين عاماً القادمة قادرة على أن تُضاهي العقود الثمانية الماضية في حجم التحوّل.
وأقول للشباب الأردنيّ خاصّة، في عيد الاستقلال الثمانين هذا: إنّ الوطن ليس مَبنىً مكتملاً تَرِثه، بل هو ورشة عملٍ نشطة تنضمّ إليها. المخطّطات الموروثة ليست كاملة، والميزانية ضيّقة دائماً، والمواد شحيحة أحياناً. لكنّ المشروع حقيقيّ، وهو مشروعكم. ولا توجد مهنةٌ أشرف من أن يُمضي المرء جزءاً من حياته في إضافة غرفةٍ واحدة، أو عارضةٍ واحدة، أو زاويةٍ واحدة إلى البناء الذي بدأه أجداده.
ثمانون عاماً. ثمانية عقودٍ من القرارات والتصاميم والإنجازات. ثمانية عقودٍ من الأخطاء التي تَعلّمنا منها، والنجاحات التي بنينا عليها. ثمانية عقودٍ أوصلتنا إلى أردنٍ هو، بأيّ مقياسٍ صادق، أقوى وأكثر تطوّراً واتّصالاً ومهارةً من البلد الذي أُعلنَت سيادته في أيّار من عام 1946.
العمل لم ينتهِ. ولن ينتهي. تلك هي طبيعة الأوطان، كما هي طبيعة كلّ المشاريع العظيمة.
حفظ الله الأردن، وبارك في الذين بَنَوْه، وقوّى عزيمة الذين سيُكملون المسيرة.