يتحول قطاع غزة يوما بعد يوم إلى ساحة صمود استثنائية، حيث يبتكر آلاف النازحين حلولا بسيطة لمواجهة شبح الجوع الذي يهدد حياتهم في المخيمات. وبدلا من انتظار المساعدات المحدودة، استغل هؤلاء النازحون المساحات الترابية الضيقة المحيطة بخيامهم، محولين إياها إلى حقول مصغرة لزراعة الخضراوات الأساسية. وازدادت هذه التحركات الفردية مع استمرار الحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال، والذي يمنع دخول الغذاء ومستلزمات الإنتاج الزراعي، مما دفع العائلات للبحث عن سبل للبقاء على قيد الحياة بأدوات بدائية.
وكشفت تجارب ميدانية في وسط القطاع، وتحديدا في بلدة الزوايدة، عن إصرار لافت من العائلات على استصلاح الأرض. واضاف رب إحدى الأسر النازحة أنه اضطر لاستئجار قطعة أرض صغيرة بجانب خيمته لزراعة الطماطم والباذنجان، موضحا أن الحصول على بضع ثمار يوميا يمثل فارقا كبيرا في تأمين وجبات إفطار بسيطة لأطفاله. وبينت زوجته أن روتينهم اليومي بات يتركز حول رعاية هذه الشتلات وسقيها، في ظل الغلاء الفاحش في أسعار السلع الأساسية وصعوبة الوضع المعيشي العام.
واكدت تقارير ميدانية أن هذه المبادرات تنتشر في مختلف مخيمات النزوح، حيث يسعى الأهالي لاستثمار ما يسمى بالخطوط الآمنة لزراعة أصناف محلية مثل السلق والسبانخ. واضاف مزارعون نازحون أنهم يعتمدون على البذور البلدية لتعويض غياب البذور المستوردة، معربين عن قلقهم المستمر من احتمال الإخلاء القسري في أي لحظة. وشدد هؤلاء المزارعون على أنهم يعملون بساعات محدودة وسط خوف دائم من اقتراب آليات الاحتلال التي قد تنهي جهودهم في لحظة.
واقع القطاع الزراعي تحت وطأة التدمير
واوضحت بيانات وزارة الزراعة في غزة أن ما يقوم به النازحون هو محاولة يائسة لسد فجوة غذائية عميقة تسبب بها الاستهداف الممنهج للمنظومة الزراعية. واضاف مدير التخطيط والمشاريع بالوزارة بهاء الاغا أن الاحتلال يفرض سيطرته على أكثر من 63 بالمئة من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى انهيار كامل في الإنتاج. واظهرت الاحصائيات الرسمية أن الحرب تسببت في تدمير 94 بالمئة من مساحة الأراضي الزراعية، وهو ما حول القطاع من منطقة ذات اكتفاء ذاتي إلى منطقة تعاني مجاعة حقيقية.
وكشفت تقارير منظمة الفاو أن المساحات المتاحة للزراعة تراجعت إلى أقل من 5 بالمئة، مع تدمير ملايين الأشجار المثمرة التي كانت تشكل عماد الاقتصاد الزراعي. واكد خبراء أن التدمير لم يقتصر على الأرض، بل طال شبكات الري والمعدات، مما يجعل العودة للزراعة التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. وبينت الأونروا أن معظم الأراضي الزراعية أصبحت إما مدمرة بالكامل أو تقع في مناطق عمليات عسكرية يتعذر الوصول إليها.
وتستمر محاولات الفلسطينيين في مناطق أخرى، مثل حي الشيخ عجلين بمدينة غزة، لاستصلاح أراضيهم فور انسحاب الدبابات. واضاف الأهالي أنهم يعودون لتنظيف التربة وترميم ما يمكن ترميمه من شبكات الري لإعادة زراعة كروم العنب والتين. واكد المزارعون أن هذه الممارسات ليست مجرد زراعة، بل هي رسالة تمسك بالهوية والأرض في مواجهة سياسات التبعية الغذائية التي يفرضها الاحتلال.
