يجد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة نفسه امام تحديات سياسية معقدة في ظل الرفض الشعبي والعسكري المتصاعد في مدن غرب ليبيا للمبادرة الامريكية التي يقودها مستشار الرئيس الامريكي مسعد بولس. واظهرت التحركات الاخيرة ان الدبيبة بات محاصرا بين خيارين احلاهما مر فاما الانصياع لمطالب حاضنته الشعبية والمسلحة في طرابلس ومصراتة واما المضي قدما في مسار يتقاطع مع توجهات واشنطن التي تسعى لفرض واقع سياسي جديد في البلاد.
واكد مراقبون ان جوهر الاعتراض يتركز حول الدور السياسي الممنوح لصدام حفتر في الترتيبات الجديدة حيث تعتبره القوى الفاعلة في الغرب الليبي خطا احمر لا يمكن تجاوزه. واضاف هؤلاء ان المبادرة التي تهدف لتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية تبدو في نظر الكثير من الليبيين مجرد صفقة لتقاسم النفوذ بعيدا عن صناديق الاقتراع ما يهدد بتكريس الانقسام بدلا من انهائه.
وبين عضو المجلس الاعلى للدولة محمد معزب ان المخاوف من اعادة انتاج الحكم العسكري تسيطر على المشهد في المنطقة الغربية. واوضح ان الغموض الذي يكتنف تفاصيل المبادرة الامريكية يغذي حالة عدم الثقة بين المعسكرين الشرقي والغربي مما يجعل من الصعب التوصل الى توافق حقيقي يحظى بقبول شعبي واسع في ظل الانقسام الحكومي الحالي.
تداعيات الرفض الشعبي على مستقبل السلطة الليبية
وكشف محللون سياسيون ان صمت الدبيبة تجاه هذه التحركات يفتح الباب امام تاويلات عديدة حول موقفه الحقيقي من المبادرة. واشار المحلل محمد محفوظ الى ان الدبيبة يحاول المناورة للحفاظ على بقائه في السلطة لكنه يدرك ان اي تنازلات قد يقدمها للشرق ستواجه برد فعل عنيف من القوى التي اوصلته الى منصبه الحالي.
واضاف قيادي عسكري سابق ان زيارة بولس الى مصراتة لم تنجح في تبديد المخاوف من عسكرة الدولة او القبول بشخصيات جدلية في مناصب سيادية. واكد ان المنطقة الغربية لا تزال متمسكة برفضها لاي تسوية تمنح عائلة حفتر دورا قياديا في المرحلة المقبلة وهو ما يعقد مهمة المبعوث الامريكي في اقناع الاطراف المحلية.
وذكر الباحث حسام الدين العبدلي ان الحراك الشعبي الرافض يثبت ان الدبيبة لا يملك سيطرة مطلقة على الفصائل المسلحة والكيانات الاجتماعية في طرابلس. واوضح ان ضعف الموقف التفاوضي لرئيس الحكومة قد يدفع واشنطن في نهاية المطاف للبحث عن بدائل جديدة قادرة على تمرير المبادرة وضمان استقرار المشهد السياسي وفق الرؤية الامريكية.
مستقبل المبادرة الامريكية بين الطموح والواقع
واوضح العبدلي ان تضمين المبادرة لمواعيد محددة لاجراء الانتخابات وتحديد طبيعة المرحلة الانتقالية قد يغير من طبيعة التعاطي الشعبي معها. واضاف ان النجاح في اقناع الاطراف الرافضة يتطلب شفافية اكبر وشراكة سياسية اوسع تتجاوز الشخصيات الحالية وتضع مصلحة البلاد فوق حسابات تقاسم السلطة.
واكدت مصادر ميدانية ان اجتماعات بولس مع الاعيان والقيادات العسكرية انتهت الى رفض قاطع لاي مخرجات تنتقص من سيادة القرار الليبي. واضافت ان استمرار الجدل حول هذه المبادرة يعكس عمق الازمة والثقة المفقودة بين كافة الاطراف الليبية التي لا تزال تتوجس من الحلول المفروضة خارجيا.
وبينت الوقائع الاخيرة ان الكرة الان في ملعب الدبيبة الذي يواجه ضغوطا دولية متزايدة ومطالب شعبية لا تقبل المساومة. واختتم المحللون بان استمرار حالة الجمود السياسي لن يؤدي الا الى مزيد من التعقيد في المشهد الليبي الذي ينتظر حلولا وطنية خالصة بعيدا عن الصفقات السياسية الهشة.
