د. حازم قشوع

لم يتبقَّ أمام الرئيس الأمريكي سوى مئة يوم قبل أن يدخل المشهد السياسي طورًا جديدًا قد يعيد تشكيل موازين القوى داخل واشنطن، مع اقتراب الانتخابات النصفية التي يُتوقع
أن تُفضي إلى كونغرس ذي غالبية زرقاء. وهو ما يضع البيت الأبيض أمام سباقٍ مع الزمن، يدفعه إلى تسريع وتيرة قراراته والاسراع للاجهاز على ايران وحسم معركة اوكرانيا حتى يتسنى له السير بعيدًا في سياساتٍ تستهدف ترسيخ الدور القيادي للولايات المتحدة في النظام الدولي.

في هذا السياق، تبدو حالة الانقسام داخل الحزب الجمهوري أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، لا سيما في ظل التباينات بين أجنحته وشخصياته المؤثرة. ويبرز هنا دور جيه دي فانس نائب الرئيس، الذي يميل إلى مقاربات أكثر تحفظًا تجاه الانخراط الخارجي، مقابل ماركو روبيو وزير الخارجية، الذي يتبنى نهجًا أكثر حدة في دعم الحلفاء التقليديين، وعلى رأسهم إسرائيل، مع سعيه لترسيخ هذا التوجه داخل دوائر صنع القرار.
كما أن بروز ما يمكن وصفه بـ"الدولة العميقة" الداعمة لإسرائيل داخل المؤسسات الأمريكية أضفى بعدًا إضافيًا على المشهد، خاصة مع المؤشرات التي تفيد بتلاقي مصالح هذه الدوائر مع توجهات روبيو، سواء في إدارة الملفات الإقليمية أو في دعم موقعه السياسي في الانتخابات القادمة.

وفي المقابل، يبرز تكتل سياسي غير تقليدي تقوده شخصيات وازنة من الحزبين، يتقدمه باراك أوباما وجورج بوش الابن، في مشهد يعكس تقاطع مصالح نادر بين مدرستين سياسيتين مختلفتين. هذا التكتل يسعى إلى إعادة ضبط الإيقاع السياسي الأمريكي والحد من اندفاع السياسات الحالية، بما قد يمهّد لدخول الإدارة في مرحلة "البطة العرجاء" مع تزايد القيود التشريعية.

وتتزامن هذه التحولات الداخلية مع تصعيد متسارع في منطقة الخليج، حيث تحاول الولايات المتحدة إدارة التوترات عبر حضورها العسكري والسياسي، في مسعى لمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. غير أن هذا الحراك الخارجي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحسابات الداخل، إذ تُقرأ خطوات واشنطن في الخليج ضمن سياق تعزيز صورة الحزم قبل الانتخابات أو تجنب ارتدادات قد تؤثر على المشهد الانتخابي فى ظل تسارع درجه التفاوص الامريكيه الايرانية بذات السخونه التى تظهرها الادوات العسكريه عبر المراكز الدبلوماسيه التفاوضية فى الدوحه واسلام اباد .

وفي قلب هذا المشهد، يبرز دور الأردن بوصفه عنصر توازن دقيق، إذ يواصل ضبط إيقاع مواقفه بحذر ووعي استراتيجي، مستندًا إلى شراكته العسكرية مع الولايات المتحدة، دون الانزلاق إلى ميادين الاشتباك المباشر. فالأردن ينظر بعينٍ إلى الخليج العربي الذي يشكل عمقه الاستراتيجي، وبعينٍ أخرى إلى الضفة الغربية والقدس اللتين تمثلان جوهر قضيته الوطنية.

هذا التوازن يعكس طبيعة السياسة الأردنية التي عُرفت بالهدوء والحكمة، حيث يقدم نموذجًا فريدًا في إدارة الأزمات المركبة دون التفريط بثوابته أو الانجرار إلى صراعات مفتوحة. ومع تصاعد التوترات خلال المئة يوم الحاسمة، تبرز الحاجة إلى تضافر الجهود الشعبية والرسمية خلف القيادة، لضمان 
عبور هذه المرحلة الحساسة بأقل قدر من المخاطر.

إن المرحلة القادمة تفرض برنامج عمل استثنائي، ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة، بل على مستوى الإقليم بأسره، حيث تتقاطع حسابات السياسة مع معادلات الأمن والاستقرار. وبين سباق الزمن في واشنطن، والتصعيد في الخليج، ودور التوازن الذي يمثله الأردن، تتشكل ملامح مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات الحذر والجاهزية السياسية كلما اقتربنا اكثر من 3 نوفمبر القادم موعد الانتخابات الامريكية ..!