بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

زيارة رئيس الديوان الملكي معالي السيد يوسف العيسوي إلى الرمثا، وما رافقها من موقف عابر تمثل بقيام أحد النواب السابقين بإبعاد أحد المواطنين عن السلام على رئيس الديوان، أخذت على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من حجمها بكثير، وتحولت من موقف عابر إلى قضية تتناقلها الصفحات والمنصات، وكأننا أمام حدث يستحق كل هذا الضجيج.

وأنا هنا لا أبرر ما حدث، ولا أقصد الإساءة إلى أي شخص، وإنما أتحدث عن حجم التناول الإعلامي للموقف، وأدعو إلى وضعه في حجمه الطبيعي.

فالناس جميعًا متساوون في الكرامة والاحترام، ولا يجوز أن يكون موقع الإنسان الاجتماعي أو الوظيفي معيارًا للتعامل معه.

لكنني في الوقت نفسه أسأل:
هل يستحق موقف عابر، لم يستغرق إلا لحظات، أن يتحول إلى قضية رأي عام، وأن تتناقل المواقع صور الرجل المسكين وتضعها أمام آلاف الناس؟

أليس في نشر صورته وقصته على نطاق واسع ما قد يمس خصوصيته وكرامته؟

الرجل الذي أردنا أن ندافع عن كرامته، هل فكرنا أن نشر صورته وقصته على نطاق واسع قد يجعله معروفًا لدى الجميع بسبب موقف لم يختر هو أن يتحول إلى قضية إعلامية؟

إن احترام الفقير والمسكين لا يكون فقط بالحديث عن كرامته، وإنما أيضًا بحماية خصوصيته وكرامته من أن تتحول قصته إلى مادة للتداول والمزايدات.

أما رئيس الديوان الملكي معالي السيد يوسف العيسوي، فإن تقدمه نحو الرجل والسلام عليه وكسر الحاجز بين المسؤول والمواطن، ليس أمرًا غريبًا عليه.

فالعيسوي معروف بتواضعه وأدبه الجم وقربه من الناس، وهذا التواضع ليس جديدًا عليه ولا مرتبطًا بهذه الحادثة وحدها.

إن تقدمه إلى الرجل والسلام عليه هو السلوك الطبيعي الذي يعكس شخصيته وطريقته في التعامل مع الناس، وهو رجل عرفته عن قرب، وعرفته قريبًا من الجميع، متواضعًا في حضوره، حريصًا على خاطر الناس واحترامهم.
وهذا ما عرفته عن معالي أبي الحسن عن قرب.

أما ما حدث من النائب السابق، فأنا لا أبرره، ولا أرى أن إبعاد أي مواطن عن السلام على مسؤول هو التصرف الذي ينبغي أن نطمح إليه.

لكنني في الوقت نفسه لا أرى أن علينا أن نتعامل معه وكأنه حدث استثنائي لم تعرفه مجتمعاتنا من قبل، فقد تقع مثل هذه المواقف في مناسبات مختلفة، وقد يخطئ أحدهم في تقدير موقف أو يتصرف بطريقة غير موفقة، وقد يكون الأمر قد وقع بصورة عفوية وغير مقصودة.

المشكلة ليست في أن نرفض الخطأ، وإنما في أن نحول الخطأ إلى قضية أكبر من حجمها.

وهنا أتساءل بكل صراحة:
أين كان كل هذا الحرص على الفقراء والمساكين قبل هذه الحادثة؟

كم واحدًا ممن يكتبون اليوم عن كرامة هذا الرجل دعاه إلى مائدته؟

وكم واحدًا منهم دعا فقيرًا أو مسكينًا إلى وليمة أقامها لكبار الضيوف؟

ومن منا جميعًا، عندما تكون لديه مناسبة أو وليمة، يقوم بدعوة فقراء ومساكين البلدة ليكونوا إلى جانبه في استقبال الضيوف؟

من منكم يفعلها؟
من منكم يفتح صدر ديوانه للفقير كما يفتحه للمسؤول والوجيه وصاحب المنصب؟

ومن منكم يجعل الفقير شريكًا في مناسباته، لا مجرد شخص نتذكره عندما نتحدث عن الإنسانية والعدالة والكرامة على مواقع التواصل الاجتماعي؟

فلا داعي أن نقول ما لا نفعل، ولا أن نطالب الآخرين بما لا نطبقه على أنفسنا.

إن كنا صادقين في حديثنا عن كرامة الفقراء، فلنبدأ بأنفسنا، ولنحوّل الكلام إلى فعل، وعندها فقط يكون لكلامنا معنى ومصداقية.

وعندما نقيم مناسباتنا الوطنية والاجتماعية، هل نفتح أبوابنا للفقراء والمساكين ونضعهم بين كبار الضيوف؟

وعندما نقيم أعراسنا، هل ندعو فقراء الحي والمحتاجين ونقول لهم: أنتم أهل هذه المناسبة وشركاؤنا فيها؟

لنكن صريحين مع أنفسنا.

كم منا يفعل ذلك؟

وقد نجد أحيانًا من يتحدث عن الفقر والكرامة عند وقوع مثل هذه الحوادث، بينما لا ينعكس ذلك دائمًا في ممارساته اليومية.

بل إننا نرى أحيانًا بقايا موائد المناسبات تذهب إلى حاويات القمامة، بينما يوجد في مكان قريب إنسان لا يجد ما يكفيه من الطعام.
إلا من رحم ربي.

فلا تجعلوا من الفقراء والمساكين وسيلة لاستعراض الفضيلة، ولا تحولوا قصصهم إلى مادة للمزايدات.

إذا كنا نريد فعلًا أن ننتصر للفقراء، فالمكان الصحيح ليس مواقع التواصل الاجتماعي فقط.

المكان الصحيح هو بيوتنا، وموائدنا، وأفعالنا، ومواقفنا اليومية.

أطعموا الفقير قبل أن تكتبوا عنه.

اقضوا حاجته قبل أن تتحدثوا عن كرامته.

احفظوا خصوصيته قبل أن تنشروا صورته.

هذه هي الإنسانية الحقيقية.

أما أن نأخذ صورة رجل بسيط وننشرها على عشرات الصفحات، ونكرر قصته مرات عديدة، ثم نقول إننا ندافع عن كرامته، فهنا علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا:

هل نحن ندافع عنه فعلًا، أم جعلناه دون أن نشعر مادة لقصة إعلامية؟

أنا مع احترام كل إنسان، غنيًا كان أم فقيرًا، مسؤولًا أم مواطنًا بسيطًا.

وأنا مع أن تكون أبواب المسؤولين مفتوحة أمام المواطنين.

وأنا مع أن يحترم كل إنسان كرامة الآخر.

لكنني ضد المبالغة، وضد المزايدة، وضد تحويل كل موقف عابر إلى معركة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الأردن أمامه قضايا أكبر وأهم تستحق أن نتوقف عندها.

لدينا قضايا اقتصادية واجتماعية ووطنية، ولدينا هموم يعيشها المواطن كل يوم، ولدينا ملفات تستحق النقاش الجاد والمسؤول.

فهل يعقل أن نترك كل ذلك ونقضي أيامًا في تحليل موقف عابر حدث في مناسبة اجتماعية؟

كفى جلدًا للذات.

وكفى تنظيرًا على الناس.

وكفى تحويلًا لقصص الفقراء والمساكين إلى مادة للمزايدات.

ومن يريد أن يكون منصفًا، فليضع الأمور في حجمها الحقيقي.

ما حدث من النائب السابق كان تصرفًا غير موفق، ولا أبرره، لكنني لا أرى أن من الحكمة أن يبقى حاضرًا في الذاكرة العامة وكأنه قضية كبرى.

والعيسوي أحسن عندما تقدم إلى الرجل وسلم عليه، وهذا ليس غريبًا على تواضعه وأدبه وقربه من الناس.

والرجل المسكين يستحق الاحترام والكرامة، لكنه لا يحتاج إلى أن تصبح صورته وقصته حديث الناس في كل مكان.

انتهى الموقف… فلنتركه ينتهي.
ولا تجعلوا من الحبة قبة، ولا من موقف عابر قضية وطنية، ولا من صورة إنسان بسيط مادة للتداول والمزايدة.

فمن أراد أن ينتصر للمسكين، فليكرمه في حياته، وليحفظ كرامته وخصوصيته، لا أن يجعل من قصته مادة للحديث بعد وقوع الموقف.

ومن أراد أن يتحدث عن الكرامة، فليبدأ بكرامة الإنسان الذي أمامه، لا بعدد المشاركات والإعجابات على منشوره.

نحن بحاجة إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن ننصب أنفسنا قضاة على الآخرين.

والأردن بحاجة إلى خطاب عاقل ومتزن، لا إلى ضجيج يصنع من كل موقف قصة، ومن كل قصة أزمة، ومن كل أزمة معركة على مواقع التواصل.

فلنضع كل شيء في حجمه الحقيقي… ولنتوقف عن البهرجة