تحولت اروقة المستشفيات في قطاع غزة من مساحات لانقاذ الارواح الى نقاط انطلاق نحو المجهول حيث وجد الاطباء انفسهم في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال التي اقتادتهم من غرف العمليات الى زنازين التحقيق. واظهرت شهادات حية حجم الانتهاكات التي تعرض لها الكوادر الطبية بعيدا عن اعين العالم حيث مورست بحقهم صنوف التعذيب الجسدي والنفسي وسط ظروف احتجاز تفتقر لادنى مقومات الحياة. واكد اطباء ناجون ان عملية الاعتقال تمت تحت تهديد السلاح حيث اجبروا على ترك المرضى ينزفون في غرف الجراحة تحت قصف القذائف قبل اقتيادهم مكبلين ومعصوبي الاعين.

واضاف الطبيب عصام ابو عجوة اخصائي الجراحة العامة ان رحلة العذاب بدات منذ لحظة اعتقاله من مستشفى الاهلي المعمداني حيث تعرض للضرب المبرح وتكسير الاسنان اثناء عملية النقل. واوضح ان مراكز الاحتجاز كانت مجهزة بما يعرف بغرف الموسيقى التي تبث اصواتا صاخبة واضواء قوية على مدار الساعة لكسر ارادة المعتقلين. وبين ان المحققين تعمدوا حرمانهم من الماء والطعام والغطاء مع استخدام اساليب وحشية مثل رش المياه الباردة في ظل اجواء قاسية لزيادة معاناتهم.

وكشفت الشهادات ان الاستهداف لم يكن عشوائيا بل كان ممنهجا ضد الكوادر الطبية لتعطيل المنظومة الصحية في القطاع. واكد رياض محمد الزعيم الذي اعتقل من مجمع الشفاء الطبي ان القوات الاسرائيلية تعمدت اذلال الاطباء والنازحين على حد سواء. واشار الى ان المعتقلين تعرضوا لعمليات تنكيل جماعي داخل السجون حيث كان التركيز منصبا على حملة الشهادات العلمية والكوادر الطبية في محاولة لكسر هيبتهم واهانتهم امام الجميع.

استهداف ممنهج للكوادر الطبية

وبين الدكتور عيد عبد القادر صباح مدير تمريض مجمع كمال عدوان ان المستشفيات تعرضت لحملة تدمير شاملة طالت حتى عائلات العاملين. واشار الى ان الاحتلال تعمد احضار ذوي الاطباء مصابين الى اقسام الطوارئ كنوع من الضغط النفسي لثني الطواقم عن الاستمرار في اداء واجبهم المهني. واكد ان العمل الطبي اصبح مهمة انتحارية في ظل القصف المستمر ومحاولات الاحتلال تفريغ المنشات الطبية من كوادرها البشرية عبر القوة الغاشمة.

واضاف صباح ان المبادئ الانسانية هي التي كانت تدفعهم للبقاء رغم يقينهم بخطر الموت او الاعتقال في اي لحظة. واوضح ان قسم العمليات في مستشفى كمال عدوان تعرض للحرق الكامل كجزء من استراتيجية تدمير البنية التحتية الصحية في شمال القطاع. وشدد على ان هذه الممارسات تعد انتهاكا صارخا لكل الاعراف والقوانين الدولية التي تحمي الطواقم الطبية في اوقات الحروب والنزاعات.

واكد مدير التمريض ان قصة ابنه محمد الذي اعتقل اثناء عمله التطوعي في المستشفى لا تزال تشكل جرحا غائرا في قلبه. واوضح انه يجهل مصير نجله حتى هذه اللحظة رغم تواصله مع المؤسسات الدولية دون جدوى تذكر. وبين ان ابنه لا يزال مفقودا خلف القضبان تاركا خلفه طفلا صغيرا لم يره ولم يحظ بلمسة حنان من والده الذي غيبته سجون الاحتلال قسرا.

مفقودون خلف القضبان

وتشير الوقائع الى ان معاناة عائلات المعتقلين تتضاعف مع استمرار سياسة الاخفاء القسري التي يتبعها الاحتلال. واوضح الجد ان حفيده الصغير يسأل دائما عن صورة والده المعلق في المنزل دون ان يدرك ان والده يقبع في زنزانة مظلمة لا يعلم عنها احد شيئا. واضاف ان هذه المأساة تعكس حجم الالم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني حيث اصبح فقدان الابناء او اعتقالهم جزءا من الحياة اليومية تحت وطأة الحصار.

وختم صباح حديثه بالتأكيد على ان الاطباء سيظلون متمسكين برسالتهم رغم كل ما واجهوه من تنكيل وتعذيب. واشار الى ان الصمود في وجه هذه الهجمة هو الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من كرامة انسانية في ظل واقع يزداد تعقيدا. واكد ان الحقيقة ستظهر يوما ما وان جرائم الاحتلال بحق الطواقم الطبية لن تسقط بالتقادم وستظل شاهدة على حجم المعاناة التي عاشها الاطباء في سجون القهر.