بقلم : محمد النجار
ليست كل البطولات انتصارًا على الآخرين؛ أحيانًا تكون البطولة الحقيقية أن يخرج الإنسان من القسوة دون أن يصبح قاسيًا. وهذه هي حكاية «سيدة» في فيلم «نحن لا نزرع الشوك»، المرأة التي دفعتها الحياة من مأساة إلى أخرى، لكنها في النهاية انتصرت على كل ذلك بإنسانيتها.
تبدأ قصة الفيلم بوفاة والد «سيدة»، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة زوجة أب قاسية لا تمنحها سوى الإهمال والقهر. تنتقل بعدها إلى رعاية صديق والدها، لكنها لا تجد هناك الأمان الذي كانت تبحث عنه؛ إذ تتحول إلى خادمة في منزله، وتصبح تحت أنظار ابنه «عباس» الذي يطاردها ويحاول استغلال ضعفها وحاجتها.
تدرك «سيدة» أن بقاءها في هذا المكان يعني استمرار معاناتها، فتقرر الهرب بحثًا عن طوق نجاة. لكنها تجد نفسها على قارعة الطريق، بلا مأوى ولا سند، إلى أن تتدخل الأقدار في حياتها من جديد، فتلتقي بالأستاذ «حمدي»، الذي يعرض عليها العمل في منزله.
كان بيت «حمدي» بالنسبة إليها أشبه بفسحة ضوء وسط حياة طويلة من العتمة. لم يعاملها كخادمة فقط، بل أعاد إليها شيئًا من إنسانيتها، فعلمها القراءة والكتابة، وفتح أمامها بابًا لم تكن تعرف أنه موجود. ومع مرور الوقت، تنشأ بينهما مشاعر صادقة، ويقرر «حمدي» الزواج منها.
لكن المجتمع لا يتركها تعيش فرحتها بسهولة.
ترفض والدة «حمدي» زواجه منها، معتبرة أن «سيدة» ليست من المستوى الاجتماعي الذي يليق بابنها. وهكذا، لا تُحرم «سيدة» من الحب بسبب خطأ ارتكبته، وإنما بسبب نظرة اجتماعية ترى الإنسان من خلال طبقته وماضيه لا من خلال أخلاقه.
تتهشم أحلامها وتعود إلى المجهول، قبل أن تتزوج من «علام»، الذي يستغلها ويسلب أموالها بالقوة، ثم يطلقها. وكأن حياتها سلسلة متواصلة من الأبواب التي تُفتح قليلًا لتمنحها الأمل، ثم تُغلق في وجهها بقسوة.
بعد ذلك يعود «عباس» إلى حياتها، مدعيًا أنه تغير وأنه يريد التكفير عن أخطائه السابقة. تمنحه «سيدة» فرصة جديدة، وتتزوجه وتنجب منه طفلًا. إلا أن الماضي يعود من جديد، ويستعيد «عباس» سلوكه القديم.
وعندما يصاب طفلها بالمرض، تحاول «سيدة» الهرب به لإنقاذه، لكن «عباس» يعيدها عن طريق «بيت الطاعة»، الذي يتحول في تجربتها إلى صورة أخرى من صور القهر والإذلال. وفي ظل الإهمال، يموت الطفل، لتكون تلك اللحظة الصادمة نقطة التحول في حياة «عباس»، فيستيقظ ضميره ويطلق «سيدة».
تقرر «سيدة» بعد ذلك أن تبدأ حياتها من جديد، فتتخلى عن الحزن وتعمل في عيادة طبية. لكنها لا تعرف أن القدر يخبئ لها اختبارًا أخيرًا، وربما الأكثر قسوة.
أثناء عملها، تلتقي فجأة بالأستاذ «حمدي»، الرجل الذي أحبته ذات يوم، لكنه هذه المرة يأتي برفقة ابنه المريض المصاب بمرض معدٍ.
كان بإمكان «سيدة» أن تعتبر ما حدث فرصة للانتقام من حياة حرمتها من كل شيء، وأن تدير ظهرها للماضي. لكنها تفعل العكس تمامًا؛ تنذر نفسها لرعاية الطفل والبقاء إلى جواره، وتشعر أنه ابنها الذي حُرمت من وجوده.
وهنا تكمن بطولة «سيدة» الحقيقية.
لقد انتصرت إنسانيتها على قسوة الظروف.
فالمرأة التي تعرضت للاستغلال، والحرمان، والتمييز، والعنف، وفقدان طفلها، لم تسمح لكل ذلك بأن يحولها إلى إنسانة ناقمة أو قاسية. بل اختارت أن تمنح طفلًا مريضًا الحب والرعاية، وهي في أمسّ الحاجة إلى من يمنحها ذلك الحب.
ومن هذه الزاوية، يتحول فيلم «نحن لا نزرع الشوك» من قصة امرأة تعاني إلى قراءة اجتماعية أوسع لمجتمع يمنح الرجل في كثير من الأحيان فرصة للخطأ والتوبة والبدء من جديد، بينما يحاكم المرأة على ماضيها، ويختزل قيمتها في سمعتها ونظرة الآخرين إليها.
وهنا تستحضر الحكاية العبارة الشهيرة المنسوبة إلى يوسف وهبي: «شرف زي عود الكبريت، ما يولعش إلا مرة واحدة»؛ وهي عبارة تكشف عقلية اجتماعية طالما جعلت المرأة أسيرة لحكم الآخرين، بينما كان الرجل أكثر قدرة على الإفلات من تبعات أخطائه.
لكن «سيدة» لا تنتصر على هذا الظلم بالشعارات، بل بالفعل. فهي لا ترد القسوة بالقسوة، ولا تستبدل الظلم بالانتقام، وإنما تختار الرحمة في أكثر اللحظات التي كان من حقها فيها أن تكون غاضبة.
وهذا ما يجعلها بطلة حقيقية؛ ليس لأنها نجت من الحياة، بل لأنها نجت من أن تصبح نسخة من الذين ظلموها.
في النهاية، يترك الفيلم سؤالًا موجعًا أمام المشاهد: هل نحن مجتمع يحاسب الإنسان على أفعاله، أم يحاكم المرأة على ماضيها ويمنح الرجل صكوك الغفران؟
ربما كان جواب «سيدة» أبسط وأعمق من كل الإجابات:
يمكن للحياة أن تكسرنا، لكنها لا تستطيع هزيمتنا ما دمنا قادرين على الاحتفاظ بإنسانيتنا.
