بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
لا يختلف اثنان على أهمية امتلاك الدولة معلومات دقيقة عن عدد سكانها، وأماكن إقامتهم، وتركيبتهم العمرية، وظروفهم السكنية والاقتصادية والاجتماعية. فلا يمكن التخطيط للمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي والنقل العام والإسكان وفرص العمل من دون قاعدة معلومات موثوقة.
لكن الاتفاق على أهمية المعلومات لا يعني بالضرورة الاتفاق على طريقة جمعها.
فقد أعلنت دائرة الإحصاءات العامة استعدادها لتنفيذ التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026، من خلال عملية واسعة تشمل جميع المساكن، ويشارك فيها نحو اثني عشر ألف باحث وموظف، وتتضمن استمارتها النهائية عشرات الأسئلة، بكلفة معلنة تقارب أربعة وعشرين مليون دينار.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل ما زال من الضروري، في عصر الحكومة الإلكترونية، إرسال باحث إلى كل منزل وإعادة سؤال المواطن عن معلومات تمتلكها مؤسسات الدولة أصلاً؟
الحكومة لا تبدأ من الصفر
تمتلك دائرة الأحوال المدنية والجوازات معلومات دقيقة عن الولادات والوفيات والزواج والطلاق وأفراد الأسرة والأرقام الوطنية. كما تمتلك وزارة الداخلية بيانات المقيمين وحركة القادمين والمغادرين، في حين تحتفظ البلديات وأمانة عمّان الكبرى بسجلات الأبنية والشقق ومساحاتها وعدد طوابقها واستعمالاتها المرخصة.
وتوجد لدى المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي معلومات عن نسبة كبيرة من العاملين وأماكن عملهم ورواتبهم الخاضعة للضمان، بينما تمتلك دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بيانات عن المكلفين والمنشآت. وتتوفر لدى وزارات التربية والتعليم العالي والصحة معلومات عن الطلبة والمدارس والجامعات وبعض المؤشرات الصحية والاجتماعية.
كما تستطيع شركات الكهرباء والمياه توفير مؤشرات عن المساكن المشغولة أو المغلقة، وأنماط الاستهلاك التي تساعد على التحقق من الإشغال الفعلي.
وهذا يعني أن الدولة تعرف بالفعل جزءاً كبيراً مما تنوي سؤال المواطنين عنه.
السجلات موجودة لكنها ليست كاملة
في المقابل، لا يمكن الادعاء بأن السجلات الحكومية بصورتها الحالية تكفي وحدها لإنتاج تعداد دقيق.
فالعنوان المسجل لدى الأحوال المدنية قد لا يمثل مكان الإقامة الفعلي. وقد ينتقل المواطن من محافظة إلى أخرى من دون تحديث عنوانه، كما قد يكون المواطن مسجلاً في الأردن بينما يقيم بصورة دائمة أو شبه دائمة في الخارج.
والبلدية تعرف ما جرى ترخيصه، لكنها لا تعرف دائماً ما هو مشغول فعلياً، أو ما إذا قُسّمت شقة إلى وحدتين، أو أضيف ملحق غير مرخص، أو تحول المسكن إلى مكتب أو سكن جماعي للعمال.
كذلك لا تشمل سجلات الضمان الاجتماعي جميع العاملين. فهناك عمل غير منظم، وعمل لحساب النفس، وتهرب تأميني، وعمالة وافدة وأعمال موسمية. كما أن سجلات ضريبة الدخل لا تشمل كل عامل، لأن كثيراً من الدخول تقع دون حدود التكليف أو لا تسجل أصلاً.
إذن، الحاجة إلى التحقق الإحصائي قائمة، لكن وجود ثغرات في بعض السجلات لا يعني أن الحل الوحيد هو إعادة جمع جميع المعلومات من جميع الأسر.
ما مقدار الخطأ في المعلومات الحالية؟
قبل إطلاق عملية بهذا الحجم والكلفة، كان من المفترض أن تنشر الحكومة تقييماً واضحاً لجودة البيانات التي تمتلكها حالياً.
كم تبلغ نسبة المواطنين الذين لا تتوافر لهم عناوين سكن فعلية ومحدثة؟ وكم يبلغ الاختلاف بين سجلات الأحوال المدنية والإقامة الفعلية؟ وما نسبة المساكن التي تختلف أوضاعها الحقيقية عن سجلات البلديات؟ وكم يبلغ عدد العاملين الذين لا يظهرون في سجلات الضمان أو الضرائب؟
لا توجد، بحسب المعلومات المنشورة، إجابة رقمية شاملة عن هذه الأسئلة.
قد تكون سجلات الولادات والوفيات والحالة المدنية دقيقة بنسبة مرتفعة جداً، بينما تكون بيانات العنوان الفعلي أو العمل غير المنظم أقل دقة بصورة ملموسة. لذلك لا يجوز الحديث عن «دقة المعلومات الحكومية» باعتبارها نسبة واحدة تنطبق على جميع البيانات.
وإذا كان عدد سكان المملكة يقارب اثني عشر مليون نسمة، فإن خطأ بنسبة 1% يعني نحو 120 ألف شخص، وخطأ بنسبة 2% يعني نحو 240 ألفاً، وخطأ بنسبة 3% يعني نحو 360 ألفاً. لذلك يجب أن تحدد الحكومة مقدار الخطأ الحالي ومقدار التحسن المتوقع بعد إنفاق أربعة وعشرين مليون دينار.
كما أن نسبة إنجاز الأعمال الميدانية، سواء بلغت 95% أو 97%، لا تعني أن المعلومات أصبحت دقيقة بالنسبة نفسها. الإنجاز يقيس حجم العمل المنفذ، أما الدقة فتُقاس بعدد من أغفلهم التعداد، ومن جرى عدّهم مرتين، والأخطاء في العناوين والخصائص السكانية والسكنية.
ماذا ستفعل الحكومة بالمعلومات؟
الغرض المعلن من التعداد هو تحديد عدد السكان المقيمين فعلياً وتوزيعهم الجغرافي، وقياس حجم الأسر، والتركيب العمري، والهجرة الداخلية، والخصائص التعليمية والاقتصادية والصحية والسكنية.
ويفترض استخدام النتائج في تحديد احتياجات المحافظات والمناطق من المدارس والمراكز الصحية والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والنقل والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى تحديث الدراسات الاقتصادية والاجتماعية وتوجيه الإنفاق العام.
هذه أهداف مشروعة وضرورية، لكن السؤال الأهم هو: ما القرارات التي ستتغير فعلياً نتيجة المعلومات الجديدة؟
فجمع البيانات لا يمثل إنجازاً بحد ذاته إذا انتهت النتائج في تقارير وجداول لا ترتبط بالموازنات والمشروعات والخطط التنفيذية.
ومن حق المواطن أن يعرف الغرض التخطيطي من كل سؤال، والجهة التي ستستخدم نتيجته، والسياسة أو الخدمة التي يمكن أن تتأثر به.
دول تجري التعداد دون زيارة كل منزل
التعداد القائم على السجلات ليس فكرة نظرية ولا تجربة غير مجرّبة. فقد انتقلت دول عديدة من التعداد التقليدي إلى تعداد يعتمد كلياً أو بصورة رئيسية على السجلات الإدارية.
كانت الدنمارك أول دولة تنفذ تعداداً سكانياً وسكنياً كاملاً من السجلات عام 1981. وتنفذ فنلندا تعدادها بهذه الطريقة منذ عام 1990، مستخدمة عشرات السجلات الإدارية من دون إرسال استمارات تعداد إلى كل منزل.
كما تعتمد النرويج والسويد والنمسا وسلوفينيا وأيسلندا على سجلات السكان والعناوين والمساكن والتعليم والعمل والحماية الاجتماعية لإنتاج بيانات التعداد. أما هولندا فتطبق ما يسمى «التعداد الافتراضي»، إذ تدمج سجلات السكان والمساكن والعمل مع المسوح الإحصائية القائمة أصلاً، من دون فرض استمارة تعداد جديدة على جميع الأسر.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على الدول الأوروبية ذات الأنظمة الإدارية القديمة. فقد صنفت الأمم المتحدة البحرين والكويت وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة ضمن الدول الآسيوية التي استخدمت التعداد القائم كلياً على السجلات خلال جولة تعدادات 2020.
وتُعد التجربتان العُمانية والإماراتية أقرب إلى واقع الأردن وأكثر فائدة للمقارنة من التجارب الإسكندنافية وحدها. فقد أنشأت سلطنة عُمان ثلاثة مراكز مترابطة لبيانات السكان والمساكن والمنشآت، وربطتها بأكثر من خمس عشرة جهة حكومية توفر المعلومات بصورة مستمرة. كما اعتمدت دولة الإمارات على السجلات الإدارية في إجراء العد السكاني من دون تنفيذ تعداد ميداني عام يشمل زيارة جميع المنازل.
أما الدول التي لا تتوافر لديها جميع المعلومات في السجلات، فتستخدم نموذجاً مختلطاً: تأخذ البيانات الأساسية من السجلات الحكومية، ثم تجري مسوحاً على عينات محدودة لاستكمال المعلومات الاجتماعية أو الاقتصادية الناقصة وقياس دقة السجلات.
وبحسب أحدث مراجعة للأمم المتحدة، اعتمدت 17 دولة أو منطقة تعداداً قائماً بالكامل على السجلات في جولة 2020، بينما استخدمت دول أخرى نموذجاً مختلطاً. ويتوقع أن تتضاعف تقريباً نسبة الدول التي تعتمد التعداد الكامل من السجلات في جولة 2030.
إذن، لا يدور السؤال حول إمكانية إجراء تعداد من دون طرق كل الأبواب، فقد أثبتت دول عديدة إمكان ذلك. السؤال الحقيقي هو: ما الذي ينقص الإدارة الأردنية للانتقال إلى هذا النموذج؟
البديل المقترح للأردن
أقترح أن تتبنى الأردن نموذجاً يجمع بين السجلات الحكومية، والعد الإلكتروني، والتحقق الميداني الانتقائي، بدلاً من إجراء مقابلة طويلة مع كل أسرة.
تبدأ العملية بإنشاء سجل إحصائي مؤقت يربط، ضمن ضوابط قانونية صارمة، المعلومات المتوافرة لدى الأحوال المدنية والداخلية والبلديات والضمان الاجتماعي والتعليم والصحة والمياه والكهرباء.
ولا يعني الربط إنشاء ملف رقابي دائم عن المواطن، بل استخدام البيانات حصراً للأغراض الإحصائية، من خلال أرقام مرجعية مشفرة، مع فصل المعلومات الشخصية عن النتائج النهائية ومنع استخدامها لأغراض الضرائب أو المخالفات أو أي إجراءات تنفيذية أخرى.
بعد ذلك تُرسل إلى كل أسرة استمارة إلكترونية تحتوي المعلومات المتوافرة مسبقاً، ويطلب منها تأكيدها أو تصحيحها أو استكمال الناقص منها. وبدلاً من سؤال المواطن مجدداً عن معلومات تعرفها الحكومة، يصبح السؤال الأساسي: هل هذه المعلومات صحيحة؟
تصنيف الأسر وفق الحاجة إلى التحقق
يمكن تقسيم الأسر إلى ثلاث فئات:
• الفئة الخضراء: تتطابق سجلاتها الحكومية وتؤكد الأسرة معلوماتها إلكترونياً، فلا تحتاج إلى زيارة.
• الفئة الصفراء: توجد معلومات بسيطة ناقصة أو متعارضة، ويجري التحقق منها باتصال هاتفي أو استمارة إلكترونية قصيرة.
• الفئة الحمراء: لم تستجب، أو توجد تناقضات جوهرية في بياناتها، أو لا يُعرف وضع المسكن وإشغاله، فتكون الزيارة الميدانية ضرورية.
بهذه الطريقة لا يُلغى العمل الميداني، بل يوجه إلى الأماكن التي تحتاج إليه فعلاً، بدلاً من توزيع الوقت والباحثين بالتساوي على جميع الأسر، سواء كانت معلوماتها مكتملة أم لا.
فصل التعداد عن المسح الاجتماعي
ينبغي كذلك التمييز بين الأسئلة اللازمة لعد السكان وبين الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية التفصيلية.
يحتاج التعداد الأساسي إلى معرفة من يقيم عادة في المسكن، وأعمار المقيمين وجنسهم وعلاقاتهم الأسرية وجنسياتهم ومكان إقامتهم الفعلي، إضافة إلى معلومات أساسية عن المسكن وإشغاله.
أما الأسئلة التفصيلية المتعلقة بالعمل والتعليم والإعاقة وتجهيزات المسكن والظروف المعيشية، فيمكن جمع جزء كبير منها من السجلات الحكومية، بينما يجمع الباقي من خلال عينة علمية تمثل السكان، بدلاً من توجيه عشرات الأسئلة إلى نحو مليونين ونصف المليون أسرة.
فالعينة العلمية المصممة جيداً تستطيع إنتاج مؤشرات وطنية وعلى مستوى المحافظات بدرجة دقة معلومة، وبكلفة ووقت أقل كثيراً.
ثلاثة أيام للعد الذاتي لا تكفي
يتضمن التعداد الحالي خيار العد الذاتي الإلكتروني، وهي خطوة جيدة، لكن تخصيص ثلاثة أيام فقط لهذا الخيار يقلل فائدته.
الأفضل إبقاء نافذة العد الذاتي مفتوحة لمدة أسبوعين أو ثلاثة، وإرسال رسائل نصية للتذكير، وتوفير مراكز مساعدة في البلديات ومكاتب البريد، وخدمة هاتفية لكبار السن ومن يحتاجون إلى الدعم.
وبعد معالجة الإجابات الإلكترونية، ترسل الفرق الميدانية فقط إلى الأسر التي لم تستجب أو التي تحتاج بياناتها إلى مراجعة. وبهذا تتحول نسبة كبيرة من الباحثين من طرق الأبواب إلى دعم المواطنين والتحقق من البيانات وضبط الجودة.
كيف نقيس نجاح التعداد؟
لا يكفي أن تعلن دائرة الإحصاءات أن التعداد انتهى أو أن المعلومات أصبحت «أكثر دقة». يجب قياس الدقة ونشر نتائجها.
ولهذا ينبغي تنفيذ مسح مستقل بعد التعداد يعيد فحص عينة ممثلة من الأسر، ثم يقارن نتائجها ببيانات التعداد لتحديد:
• نسبة السكان الذين لم يتم عدّهم.
• نسبة من جرى عدّهم مرتين.
• نسبة العناوين غير الصحيحة.
• نسبة المساكن التي صنفت بصورة خاطئة.
• مقدار الاختلاف بين إجابات الأسر والسجلات الحكومية.
• معدلات الخطأ في كل محافظة وبين الفئات السكانية المختلفة.
ومن دون هذا الاختبار المستقل، لا يمكن معرفة ما إذا كانت العملية المكلفة قد حسّنت دقة البيانات فعلاً، ولا مقدار هذا التحسن.
التعداد فرصة لإصلاح الإدارة العامة
يجب ألا يكون تعداد 2026 مجرد عملية مؤقتة تنتهي بإصدار مجموعة من الجداول. بل ينبغي أن يصبح مدخلاً لإنشاء سجل وطني مستدام للسكان والمساكن، يجري تحديثه بصورة مستمرة.
فإذا صححت أسرة عنوانها أثناء التعداد، يجب أن تنعكس المعلومة، وفق الأطر القانونية، على السجل الوطني. وإذا اكتشفت الحكومة مسكناً غير مسجل أو اختلافاً بين الواقع ورخصة البناء، ينبغي معالجة أصل الخلل، لا الاكتفاء بتسجيله إحصائياً ثم العودة إلى المشكلة ذاتها بعد عشر سنوات.
الدولة الرقمية لا تعيد بناء معلوماتها من الصفر في كل مرة، بل تحدثها باستمرار، وتستخدم قواعد البيانات المتوافرة، وتطلب من المواطن فقط ما لا تستطيع معرفته بوسائل أخرى.
الخلاصة
الأردن يحتاج إلى تعداد سكاني دقيق، لكنه لا يحتاج بالضرورة إلى تعداد تقليدي يتعامل مع كل أسرة وكأن مؤسسات الدولة لا تعرف عنها شيئاً.
وقد أثبتت تجارب الدنمارك وفنلندا وهولندا، وكذلك البحرين والكويت وعُمان والإمارات، أن بإمكان الدولة إنتاج معلومات سكانية موثوقة من خلال ربط السجلات الإدارية، مع استخدام المسوح المحدودة والتحقق الانتقائي عند الحاجة.
المطلوب ليس إلغاء التعداد، بل تحديث منهجيته: استخدام السجلات الحكومية أساساً، وتمكين المواطنين من مراجعة معلوماتهم إلكترونياً، وقصر الزيارات المنزلية على الحالات غير المكتملة أو المتعارضة، وجمع التفاصيل الاجتماعية من خلال عينات علمية، ثم قياس الدقة بصورة مستقلة وشفافة.
بهذا الأسلوب تستطيع الحكومة توفير الوقت والمال والجهد، وتقليل عدد الزيارات والباحثين، وحماية خصوصية المنازل، وفي الوقت نفسه الحصول على معلومات أكثر دقة وفائدة.
أما الاستمرار في جمع المعلومات بالطريقة التقليدية، من دون بيان مقدار الخطأ في البيانات الحالية ومقدار التحسن المتوقع، فيجعل السؤال مشروعاً:
هل ننفذ التعداد لأننا نحتاج فعلاً إلى كل هذه المعلومات، أم لأن مؤسسات الدولة لم تنجح بعد في ربط المعلومات التي تمتلكها؟
