لم تعد الازمات المعيشية في اليمن تقتصر على غلاء الاسعار المعتاد او تذبذب العملة الوطنية فحسب، بل تحولت الى صراع يومي مرير للبقاء يواجهه المواطن اليمني لتأمين قوته الاساسي. واظهرت التجارب الحياتية لموظفين في عدن وصنعاء ان تآكل الدخل الشهري جعل الاسر في حالة استنزاف مستمر، حيث يتبخر الراتب قبل انقضاء الشهر تاركا العائلات في مواجهة مباشرة مع الجوع وانعدام الخدمات الاساسية.
واوضح المعلم منصور محمد في عدن ان راتبه الحكومي الذي يبلغ نحو 64 دولارا يذهب معظمه لتغطية تكاليف الغذاء والخدمات، مما يضطره الى تقليص نفقات الاسرة وحرمانها من اللحوم والفواكه وحتى المواصلات. واشار الى ان الضغط الاقتصادي لم يعد يحتمل، مؤكدا ان محاولة موازنة الدخل مع الالتزامات اصبحت عملية مستحيلة في ظل التضخم المتسارع.
وبين عرفات عبد الرحمن، وهو معلم في ذمار، ان الوضع لا يقل سوءا في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يواجه الموظفون تأخيرا في صرف الرواتب التي لا تصل الا كل بضعة اشهر. واكد ان الدخل المحدود لا يكفي لتغطية احتياجات الاسرة الاساسية لاكثر من عشرة ايام، مما يفرض عليهم واقعا من التقشف القسري والبحث عن بدائل بدائية لتدبير شؤون الحياة اليومية.
مفارقة الاسعار في اقتصادين
وكشفت دراسة مقارنة لسلة غذائية اساسية ان هناك تباينا كبيرا في الاسعار بين صنعاء وعدن ناتجا عن الانقسام المصرفي والنقدي. واظهرت البيانات ان تكلفة السلة في عدن تلتهم نحو 47 بالمئة من راتب الموظف، بينما في صنعاء تصل النسبة الى اكثر من 67 بالمئة من قيمة الدفعة المالية التي لا تصل بانتظام، مما يعكس ان رخص السعر اسما لا يعني سهولة في التحصيل.
واضاف الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي ان المقارنة الحقيقية يجب ان تبنى على القوة الشرائية الفعلية للمواطن وليس على ارقام العملة. وبين ان مناطق الحكومة تعاني من ارتفاع الاسعار مع انتظام نسبي في دفع الرواتب، بينما تعاني مناطق الحوثيين من انخفاض الاسعار مع غياب شبه تام لانتظام الدخل، مما يجعل المواطن في كلا الطرفين ضحية لنفس المعادلة القاسية.
وشدد الفودعي على ان مؤشرات الامن الغذائي تثير القلق، حيث ان نسبة كبيرة من الاسر اليمنية تعاني من استهلاك غذائي غير كافٍ. واكد ان الفجوة بين الدخل والاسعار اصبحت تتسع بشكل يهدد الامن الغذائي لغالبية السكان، خاصة مع تزايد الاعتماد على المساعدات او تقليص الوجبات اليومية الى حدها الادنى.
تداعيات الحرب على المائدة
وكشف الواقع ان فاتورة الحرب لا تتوقف عند حدود الجبهات العسكرية، بل تمتد لتشمل تكاليف الشحن والتأمين التي تضاف على اسعار الغذاء. واظهرت التحليلات ان اعتماد اليمن على الاستيراد بنسبة 85 بالمئة يجعله عرضة لاي صدمات خارجية في اسعار الطاقة او اضطرابات الملاحة البحرية، وهو ما يترجم مباشرة الى ارتفاعات جديدة في اسعار الدقيق والزيت والوقود.
واضاف الفودعي ان اي تصعيد عسكري في المنطقة سيؤدي حتما الى زيادة رسوم المخاطر واجور الشحن، مما يفاقم الضغوط على الموانئ وسلاسل الامداد الداخلية. واكد ان هذا المسار يؤدي في نهاية المطاف الى دفع المواطن للثمن من قوت يومه، مما يعمق الفقر ويقلص الخيارات المتاحة امام الاسر التي وصلت الى اقصى حدود التحمل.
وبين ان مسار الصدمات يختلف بين المنطقتين، فبينما يواجه سكان عدن ضغوطا مرتبطة بانهيار سعر الصرف، يواجه سكان صنعاء ضغوطا ناتجة عن انقطاع السيولة وتكاليف النقل. واكد ان النتيجة النهائية تظل واحدة وهي تآكل القدرة الشرائية التي لم يعد امامها اي مساحة للتقليص او التكيف.
نهاية خيارات التكيف
واظهرت شهادات الاسر ان الحلول لمواجهة الازمة قد نفدت، حيث لجأ الناس الى الحطب بدلا من الغاز والمشي بدلا من المواصلات. واكد منصور ان اي موجة غلاء قادمة ستعني ببساطة تقليل كمية الطعام، بينما اشار عرفات الى ان اليمني وصل الى اقصى درجات الصبر التي تدفعه للتفكير في خيارات قاسية كالهجرة بحثا عن لقمة العيش.
واضاف ان الانقسام الاقتصادي لم يعد مجرد اختلاف في العملة، بل اصبح جدارا يعزل المواطنين عن ابسط حقوقهم في العيش الكريم. وبين ان التحدي القادم يكمن في مدى قدرة الاسر على الصمود امام ضغوط لا ترحم، حيث تتقاطع الحرب مع الجوع لتشكل واقعا معيشيا يزداد قسوة يوما بعد يوم.
واكد في الختام ان الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعا في ظل اقتصاد منهك، مشددا على ان استمرار المواجهات يعني ان المائدة اليمنية ستظل فارغة من ابسط مقومات الحياة، مما يستدعي تحركا جديا لرفع المعاناة عن كاهل الملايين الذين دفعوا فاتورة باهظة للحرب.
