يقف المزارع الفلسطيني عطية العطار وسط حطام ما تبقى من بستانه في دير البلح، يراقب عماله وهم يقطفون حبات الزيتون بحذر شديد خشية تساقط أي غصن تحت وطأة الظروف القاسية. كشف العطار أن قلبه يعتصر الما على كل غصن يتساقط، مؤكدا أن منع دخول المبيدات ونقص المياه قد أثرا بشكل مباشر على جودة الانتاج وحجمه. واضاف أن الشجرة المباركة التي كانت رمزا للصمود باتت اليوم تواجه خطر الفناء في ظل الحصار والعمليات العسكرية المستمرة.

وبين المزارع أن العمال الخمسة الذين يعملون معه في مساحة لا تتجاوز اربعة دونمات يحاولون جاهدين الحفاظ على ما يمكن انقاذه من صنف الشملالي. واوضح أن كل حبة زيتون يتم قطفها تمثل بالنسبة له خفقة من وجده وتمسكه بأرضه التي ورثها عن اجداده. وشدد على أن التحديات التي يواجهها المزارعون في القطاع تجاوزت كل الحدود الممكنة للتحمل.

واكد العطار أن غياب الدعم الزراعي وتجريف الاراضي ادى الى تراجع الانتاج بشكل مخيف مقارنة بالمواسم السابقة. واشار الى أن الاشجار التي كانت تعطي بسخاء باتت اليوم تعاني من الاهمال القسري نتيجة منع وصول المزارعين لاراضيهم. وبين أن الموسم الحالي لا يعدو كونه محاولة للبقاء في ظل واقع يضيق الخناق على كل ما هو حي في غزة.

من القمة الى الصفر في بساتين الزيتون

كشف زاهر كشكو، صاحب معصرة سابقة، عن تحوله من العمل في انتاج الزيت الى بيع الفلافل في شوارع غزة، واصفا هذا التحول بالانتقال من القمة الى الصفر. وقال إن ارضه التي كانت تروى بعرقه قبل الماء قد دمرتها آلة الحرب، مما افقده مصدر رزقه الوحيد. واضاف أنه فقد الكثير من افراد عائلته الى جانب فقدانه لارضه التي كانت تحتضن اربعين شجرة زيتون مثمرة.

واظهرت التقديرات الميدانية انقطاع مورد رزق الكثير من العائلات التي كانت تعتمد على معاصر الزيت وتجارة منتجاته. واكد زاهر أن خسارته لم تقتصر على الاشجار فحسب، بل امتدت لتشمل تاريخا عائليا يمتد لمائتي عام من العطاء. واوضح أن بيع الفلافل اليوم هو السبيل الوحيد المتاح له لاعالة افراد اسرته الثمانية في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة.

وبين أن الارض التي تم تجريفها كانت مصنفة ضمن المناطق الحمراء، مما حال دون وصوله اليها طوال عام كامل. واضاف أن المشهد العام في غزة يعكس حجم الابادة التي طالت الشجر والحجر على حد سواء. وشدد على أن ذكرياته في معصرة الزيت التي كان يمتلكها باتت حلما بعيد المنال في ظل الواقع الجديد.

انهيار قطاع الزيتون وتراجع الانتاج

كشفت بيانات الخبراء أن قطاع الزيتون في غزة فقد نحو تسعين بالمائة من مساحته المزروعة نتيجة عمليات التجريف المستمرة. وأكد المهندس محمد ابو عودة أن المساحات المزروعة تقلصت من خمسين الف دونم الى خمسة آلاف فقط، مما ادى الى تراجع عدد الاشجار من مليوني شجرة الى مائة وخمسين الفا. واضاف أن هذه الارقام تعكس كارثة حقيقية تهدد الامن الغذائي في القطاع.

واوضح زيدان فواز زيدان، صاحب مجموعة معاصر، أن آلاته التي كانت تعمل لثلاثة اشهر متواصلة باتت اليوم تدور لساعتين فقط يوميا. وبين أن الانحسار الكبير في الانتاج الزراعي انعكس بشكل مباشر على عمل المعاصر وتوقفها عن الدوران بكامل طاقتها. واكد أن المعصرة اصبحت تخدم نطاقا جغرافيا ضيقا جدا بعد ان كانت تغطي محافظات القطاع كافة.

واضاف أن عدد المعاصر العاملة في القطاع لا يزال محدودا للغاية رغم التحسن الطفيف في الاعداد هذا العام. واشار الى أن التحديات اللوجستية ونقص الوقود والمواد الخام تزيد من معاناة اصحاب المعاصر. وشدد على أن استمرار هذا الوضع سيؤدي الى اندثار حرفة عصر الزيتون التي كانت تمثل جزءا اصيلا من الاقتصاد الغزي.

اسعار الزيتون بين الغلاء والندرة

كشفت جولات الاسواق عن تباين كبير في اسعار الزيت، حيث وصل سعر اللتر الواحد الى خمسة وخمسين شيكلا، بينما يظل المستورد اقل سعرا بكثير. وبين زيدان أن هذه الاسعار المرتفعة هي صدى مباشر لجسامة التحديات التي تثقل كاهل المزارعين واصحاب المعاصر. واضاف أن المواطنين يجدون صعوبة بالغة في توفير احتياجاتهم الاساسية من الزيت البلدي.

واظهرت الملاحظات الميدانية ندرة واضحة في وجود زيتون المائدة في اسواق مدينة غزة، حيث لا يكاد يجد المتسوق الا كميات زهيدة. واكد الطفل خالد ابو كميل أن البحث عن بضاعة قليلة للبيع يستغرق اياما طويلة، مما يجعل العثور على زبائن امرا صعبا. وبين أن اغلب البسطات تعاني من ضعف الاقبال نتيجة ارتفاع الاسعار وتدني القدرة الشرائية.

واضافت ليلى ارحيم، احدى المتسوقات، أن ما يعرض في الاسواق لا يشبه جودة الزيتون في المواسم السابقة، حيث الحبات ضامرة وهزيلة. واوضحت أنها تتنقل بين الاسواق بحثا عن اصناف جيدة دون جدوى. وشددت على أن الغلاء ليس هو المشكلة الوحيدة، بل انعدام الجودة وتوفر السلع اصبح هاجسا يوميا لكل اسرة.

خسائر فادحة في الانتاج والعمالة

كشفت الارقام الرسمية عن تراجع انتاج ثمار الزيتون من اربعين الف طن الى خمسة آلاف طن سنويا، بنسبة انخفاض تجاوزت سبعة وثمانين بالمائة. واكد المهندس ابو عودة أن هذا الانهيار ضرب قطاع البستنة الشجرية في مقتل، مما خلق فجوة في الاكتفاء الذاتي تصل الى خمسة وثمانين بالمائة. واضاف أن غزة انتقلت من مرحلة التصدير الى حالة العجز الغذائي.

وبين أن عدد المعاصر انخفض من اربعين الى سبع معاصر فقط، مع تراجع حاد في القدرة التشغيلية لخطوط العصر. واوضح أن مصانع التخليل والوحدات التصنيعية شهدت ايضا تراجعا مماثلا، مما ادى الى توقف سلاسل القيمة المضافة. واكد أن هذا الانكماش يهدد بانهاء كل الانشطة المرتبطة بموسم الزيتون.

واضاف أن عدد المزارعين والعمال المرتبطين بهذا القطاع تقلص بشكل درامي، حيث فقد الآلاف مصادر رزقهم. واشار الى ان النساء اللواتي كن يشاركن في القطف والفرز والتصنيع هن الاكثر تضررا من هذه الازمة. وشدد على أن استعادة هذا القطاع الحيوي تتطلب سنوات طويلة من الجهد والاعمار في حال توقفت آلة الحرب.