تشهد مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية توترا امنيا غير مسبوق في اعقاب عملية اطلاق نار نفذت مؤخرا، حيث دفع الاحتلال بتعزيزات عسكرية واسعة تسببت في تهجير الاف المواطنين من منازلهم وفرضت حصارا خانقا شل الحياة اليومية والاقتصادية في المدينة. وتاتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول الاهداف الحقيقية للعملية العسكرية ومستقبل السلطة الفلسطينية في ظل تهديدات اسرائيلية مستمرة بتقويض دورها او حلها بشكل نهائي.

واكد خبراء في الشان السياسي ان ما يجري على الارض يتجاوز كونه ردا امنيا تقليديا، موضحين ان هناك اجندة استراتيجية تسعى حكومة الاحتلال لتنفيذها مستغلة الاحداث الميدانية لفرض واقع جديد. وبين المحللون ان هذه العمليات تهدف الى اعادة هندسة المنطقة امنيا وتوسيع السيطرة على الارض الفلسطينية تحت ذرائع متعددة، مما يضع مستقبل الوجود الفلسطيني في الخليل امام تحديات وجودية صعبة.

واشار مراقبون الى ان السلوك العسكري الاسرائيلي يعكس نهجا استعماريا يسعى لتغيير ديموغرافية المناطق المستهدفة، معتبرين ان التهجير وتدمير البنية التحتية ليسا سوى ادوات لتنفيذ مخططات التوسع الاستيطاني. وشدد هؤلاء على ان التبريرات التي تسوقها سلطات الاحتلال بشان الامن لا تعدو كونها غطاء لسياسات اوسع تهدف الى حسم الصراع لصالح المشروع الاستيطاني.

ابعاد التوظيف السياسي والانتخابي

واوضح مختصون في الشان الاسرائيلي ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى لاستثمار الاحداث في الخليل لتعزيز رصيده في صندوق الاقتراع، خاصة في ظل تراجع شعبيته ومطالب اليمين المتطرف بتنفيذ اجراءات قاسية. واضاف ان نتنياهو يحاول تصوير نفسه كحام لامن الاسرائيليين من خلال سرعة الاستجابة الميدانية واللجوء الى سياسات الهدم والتهجير دون انتظار المسارات القانونية المعتادة.

وبين المحللون ان هذه السياسات تهدف ايضا الى اعادة تشكيل الواقع الامني في المناطق التي تصنف حسب اتفاق اوسلو كمنطقة الف، بهدف الغاء الفوارق بين مناطق السيطرة الفلسطينية ومناطق السيطرة الاسرائيلية. واكدوا ان الاحتلال يعمل على شق طرق التفافية واقامة نقاط عسكرية لتعزيز سيطرته الكاملة على الارض، وهو ما يعد تطبيقا فعليا لخطة الحسم التي تتبناها حكومة اليمين.

واشار خبراء الى ان ما يحدث في الخليل اليوم هو نسخة مكررة عما شهدته مناطق شمال الضفة الغربية، معتبرين ان الهدف النهائي هو تطبيق هذا النموذج في كافة الاراضي الفلسطينية. واضافوا ان هذه الممارسات تكشف عن نية الاحتلال في استنزاف الوجود الفلسطيني وتحويل السلطة الى مجرد كيان اداري محدود الصلاحيات يفتقر لاي سيادة او تاثير حقيقي.

مستقبل السلطة في ظل الضوء الامريكي

وكشفت قراءات سياسية عن ان تهديدات تقويض السلطة الفلسطينية تاتي ضمن برنامج حكومي يسعى لتجويف المؤسسات الفلسطينية من الداخل، مع ربط اي خطوات مستقبلية بمدى التوافق الداخلي الاسرائيلي والضوء الاخضر الامريكي. واكد اكاديميون ان مصير السلطة مرتبط بشكل وثيق بالخريطة السياسية القادمة في اسرائيل، حيث تتباين الرؤى حول كيفية ادارة الصراع او المضي في حسمه بشكل نهائي.

وبين باحثون ان حكومة الاحتلال وضعت الفلسطينيين امام خيارات قاسية ومحدودة، تتراوح بين التسليم بالامر الواقع والهجرة او مواجهة القبضة الحديدية. واوضحوا ان هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة لدى صناع القرار في تل ابيب بضرورة انهاء اي امكانية لمشروع سياسي فلسطيني مستقل، والاعتماد بدلا من ذلك على القوة العسكرية لفرض الحلول الاحادية.

واكد مراقبون ان المشهد الحالي في الخليل يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة السلطة الفلسطينية على الصمود، في ظل ضغوط دولية واقليمية متغيرة. واضافوا ان المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التوتر مع استمرار حكومة الاحتلال في تنفيذ مخططات التهجير والاستيطان، مما يعزز من حالة عدم الاستقرار في المنطقة ويقلص فرص العودة لاي مسار سياسي جاد.