تواجه تونس تحديات مائية غير مسبوقة تضع مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي على المحك، حيث حذر تقرير حديث للبنك الدولي من ان استمرار ندرة المياه قد يستنزف نحو 6.4 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي للبلاد بحلول منتصف القرن الحالي. وتتفاقم الازمة في ظل انخفاض حصة الفرد من المياه العذبة المتجددة الى مستويات قياسية لا تتجاوز 380 مترا مكعبا سنويا، مما يجعل الحاجة ملحة لتدخلات جذرية تتجاوز الحلول الترقيعية.
واكد البنك الدولي في تقريره الاخير ان تونس بحاجة الى استثمارات سنوية تقدر بنحو 900 مليون دولار لمجابهة هذا الواقع القاسي. وبين ان المشكلة لا تنحصر فقط في تذبذب الامطار او تراجع مخزون السدود، بل تمتد لتشمل استنزاف الموارد الجوفية المفرط وتآكل البنية التحتية لشبكات التوزيع التي تعاني من خسائر فادحة.
واوضح الخبراء ان ازمة المياه في تونس ذات طابع هيكلي وليست مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بالمناخ. واشاروا الى ان الاعتماد على التساقطات المطرية كحل وحيد لم يعد مجديا في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية وسط تحذيرات من تملح المياه الجوفية نتيجة الاستغلال المفرط الذي تجاوز قدرتها على التجدد.
قطاع الزراعة في مهب الريح
وكشفت التقديرات ان القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه نصف سكان المناطق الريفية مهدد بخسارة نحو 30 في المائة من وظائفه خلال العقود القادمة بسبب شح المياه. وشدد المتخصصون على ان الزراعة المروية تستهلك الجزء الاكبر من الموارد المائية، مما ادى الى تراجع الانتاج المحلي وارتفاع جنوني في اسعار المواد الغذائية الاساسية مثل الخضروات.
وذكرت بيانات ميدانية ان انخفاض عدد العاملين في القطاع الفلاحي يعمق الازمات الاجتماعية، خاصة ان النساء يشكلن النسبة الاكبر من القوى العاملة في هذا المجال. واضافت التقارير ان تكرار مواسم الجفاف ادى الى انكماش القطاع الفلاحي بشكل ملحوظ، مما انعكس سلبا على مؤشرات النمو الاقتصادي للبلاد.
وبينت مصادر من داخل القطاع ان اعطال شبكات الري وتأخر عمليات التزويد بالمياه في المناطق الاستراتيجية مثل ولاية نابل، اديا الى تراجع انتاج المحاصيل التصديرية. واكدت ان غياب استراتيجية واضحة للتكيف مع التغيرات المناخية يفاقم من خسائر الفلاحين ويضع الامن الغذائي الوطني في دائرة الخطر.
حلول هيكلية لمواجهة العطش
واكدت وزارة الزراعة التونسية على ضرورة التسريع في تنفيذ المشاريع المائية العاجلة واصلاح شبكات توزيع المياه للحد من الهدر الذي يصل الى نسب مرتفعة في القنوات العمومية. واشارت الى ان التوجه نحو تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة يمثل ضرورة حتمية لتعويض النقص في الموارد التقليدية.
واضاف الخبراء ان الاعتماد على التحلية يجب ان يكون مدروسا بسبب تكاليفه العالية، مع ضرورة التركيز على تقنيات الطاقة الشمسية لتقليل الاعباء المالية. واوضحوا ان التوسع في استخدام المياه المعالجة وتحديث انظمة الري يمثلان بدائل اكثر استدامة وفعالية من بناء السدود التقليدية التي تتاثر بالتبخر والجفاف.
وكشفت الحكومة عن استراتيجية طموحة حتى عام 2050 تتضمن مئات البرامج والاجراءات الاستثمارية لضمان الامن المائي. واختتمت الجهات المعنية بالتأكيد على ان التمويلات الدولية التي حصلت عليها تونس، بما فيها دعم البنك الدولي، ستساهم في تعزيز البنية التحتية المائية وتركيب العدادات الذكية لتحسين كفاءة الاستهلاك والحفاظ على الثروة المائية للاجيال القادمة.
