د. حازم قشوع
عندما يحذر رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، من أن إسرائيل تقف أمام خطر التحول إلى ما يشبه جمهوريات الموز، فإن حديثه لا يمكن التعامل معه بوصفه انتقاداً عابراً لسياسات بنيامين نتنياهو، بل باعتباره جرس إنذار يوجَّه إلى بيت القرار في تل أبيب، في لحظة سياسية فارقة تتجاوز حدود تشكيل الحكومة إلى مستقبل الدولة وهويتها.
فإسرائيل، التي تتشكل من أربع مركبات رئيسية، منها ما
هو صهيوني غربي، وآخر من الحريديم المتدينين، ومكوّن فلسطيني عربي، ورابع يهودي عربي، تقف اليوم على مفترق طرق حقيقي، بعدما أفرزت صناديق الاقتراع معادلة سياسية لم تمنح نتنياهو وتياره اليميني «الصهيوني الديني» الأغلبية اللازمة للحكم، كما لم تمنح معسكر التغيير أغلبية مستقلة بزعامة آيزنكوت، فيما أصبحت الأحزاب العربية صاحبة وزن حاسم في الحسابات البرلمانية، بحصولها على 19 مقعداً،
مقابل 53 مقعداً لمعسكر نتنياهو و48 لمعسكر المعارضة. وهي النتيجة التي يجد فيها المتابعون فرصة لانتقال إسرائيل من دور محراك الشر ومعول الهدم إلى بيت قادر على التعامل مع مجتمعات المنطقة بوئام.
وهذه النتائج تضع مطبخ القرار الإسرائيلي أمام اختبار يتجاوز الحسابات الحزبية إلى شكل الدولة برمتها؛ فإما أن يفتح المجال أمام تشكيل حكومة تغيير تقوم على مفهوم المواطنة والشراكة السياسية، وتستوعب الصوت العربي باعتباره جزءاً من المعادلة الديمقراطية، أو أن يعيد إنتاج حكومة اليمين المتطرف والصهيونية الدينية، بما تحمله من سياسات توسعية وإقصائية، تجعل الدولة أسيرة أجندات أيديولوجية وأوامر عسكرية لا تملك معها القدرة على بناء علاقات طبيعية مع محيطها.
فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يجلس على كرسي رئاسة الحكومة، وإنما بطبيعة الدولة التي تريد إسرائيل أن تكونها؛ فالدولة التي تستند إلى المواطنة والمساواة وسيادة القانون تستطيع أن تبحث عن مكان لها في فضاء المنطقة، وتتحول من مصدر للتوتر إلى طرف مقبول في معادلة الاستقرار، أو أن تبقى دولة تختزل وجودها في القوة العسكرية، وتتعامل مع مكوناتها
على أساس التمييز والإقصاء وفق مضمون إثني عقائدي بات مرفوضاً، بل وملاحقاً دولياً، الأمر الذي يبقيها رهينة صراعاتها الداخلية ومخاوفها الأمنية، ويجعلها تؤدي دوراً يراكم العداء بدلاً من أن يفتح أبواب التفاهم وبوابة الأمان من مدخل الاستقرار.
وعلى هذه الأرضية، تكتسب تحذيرات لاودر أهميتها
فهو لا يتحدث من خارج البيئة السياسية الإسرائيلية، بل
من موقع يعرف طبيعة التحولات التي يمكن أن تصيب
النظام الديمقراطي عندما تستأثر به تيارات التطرف، وتضعف مؤسساته، وتختزل الدولة في مشروع سياسي ضيق.
ولعل ما يجري في الولايات المتحدة، وما يحمله من تحولات في المشهد الانتخابي واتساع النقاش حول المواطنة والتعددية، يضيف بُعداً آخر لهذه المعادلة، لا سيما أن إسرائيل مرتبطة بشكل عضوي بالولايات المتحدة، وهذا ما يجعلها غير قادرة على تجاهل التحولات التي تجري في بيئتها الدولية، ولا على افتراض استمرار بيئة سياسية دائمة تمنحها تفويضاً مفتوحاً للاستمرار في سياسات تتعارض مع قواعد القانون الدولي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
إن التحدي الذي يواجه تل أبيب اليوم واضح إما أن تكون إسرائيل دولة مؤسسات ومواطنة، وتعيد تعريف علاقتها بمحيطها على قاعدة الاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة،
أو أن تستمر في الارتهان لتيارات التطرف، وتبقى دولة معزولة قائمة على عقلية القلعة، تتصرف بمنطق القوة وتعيش على
وقع الصدامات، وهذا يجعلها نتوءاً اصطناعياً غير مقبول في محيطها العربي. فالدول لا تُقاس بما تمتلكه من قوة عسكرية فحسب، وإنما بما تستطيع أن تبنيه من شرعية داخلية
وقبول إقليمي. وبين دولة الموز ودولة المواطنة، يقف القرار الإسرائيلي أمام لحظة لا تحتمل المزيد من التأجيل، ليجيب عن سؤال مباشر حول قدرة إسرائيل على الانتقال «من منطق القوة إلى منطق الدولة». وهذا ما يُفترض أن تجيب عنه حاضرة تل أبيب بدلاً من الاستدارة حول ذاتها والتهرب إلى الأمام بإشعال حرب إقليمية على إيران، ستكون فيها الخاسر الأكبر، وهذا ما حذّر منه رئيس المؤتمر اليهودي لاودر في هذا التوقيت الدقيق الذي تمر فيه المنطقة، لا سيما أن المنطقة تستعد للدخول في " حرب قد تكون عميقة" .
والأردن، وهو يتابع مجريات الانتخابات الإسرائيلية وما قد تحمله نتائج الانتخابات الأمريكية، فإنه يأمل أن تفضي إلى تشكيل سياسات جديدة تنهي أجواء المخاض التي تعيشها المنطقة، بما ينقلها من الميدان العسكري إلى طاولة الحوار السياسي، لتنعم شعوب المنطقة ومجتمعاتها بأجواء السلام الذي ما زالت تفتقده منذ أكثر من خمسة عشر عاماً فالانتصار لا تحققه المعارك، والقوة لا تصنع سلاماً بقدر ما تؤدي إلى مزيد من الاحتقان، وهذا لا ينسجم مع رؤية مجتمعات المنطقة التي عبّر عنها الملك عبدالله في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليعيش الجميع بأمان عبر مشروع أنسنة المواطنة بين أبنائها تتعامل المجتمعات بينها ليس من منطق القوة بل من كيان الدولة .
