يسعى الانسان منذ فجر التاريخ الى تخليد حضارته عبر الحجر والنقوش والمخطوطات التي تروي قصص الشعوب الغابرة. وبينما تقف الحروب والكوارث الطبيعية وعوامل التعرية حائلا امام بقاء هذه الشواهد المادية. تبرز التقنيات الحديثة كطوق نجاة لتوثيق التراث المهدد بالاندثار قبل فوات الاوان. واصبح المسح الليزري والتصوير الفوتوغرامتري والنمذجة ثلاثية الابعاد ادوات جوهرية لتحويل الاثار الى بيانات رقمية دقيقة تتيح دراستها وحمايتها من الضياع.
واضاف الذكاء الاصطناعي طبقة تقنية متطورة تساهم في تحليل الصور والمسوحات لتقديم تصورات عن الاجزاء المفقودة من المواقع التاريخية. وبين الخبراء ان هذه العملية تتطلب دقة متناهية في التمييز بين ما هو موثق فعليا وبين ما هو نتاج استنتاجات خوارزمية. واكد المتخصصون ان الهدف الرقمي لا يهدف الى استبدال الاصل بل الى بناء سجل معرفي يحفظ تفاصيل الحضارة للأجيال القادمة.
وكشفت التطورات الاخيرة في المنطقة العربية عن توجه مؤسسي لتبني هذه التقنيات. واطلق في القاهرة المركز المصري البريطاني للذكاء الاصطناعي وتقنيات التراث الافتراضي ليكون منصة متخصصة في حفظ الاثار وتطوير اطر رقمية تربط القطع بسياقاتها التاريخية. واوضح القائمون على المشروع ان النموذج الرقمي بات منظومة متكاملة لجمع البيانات العلمية واعادة استخدامها في الابحاث الاثرية.
من الحفظ الى بناء سجل رقمي
وتعمل مبادرات مجتمعية في تونس على رقمنة القطع الاثرية باستخدام تقنيات الواقع الممتد والمسح ثلاثي الابعاد. واشارت فنانة الفن الغامر ايناس سعيد الى ان الرقمنة تمثل خط دفاع اول ضد مخاطر النهب وتغير المناخ. وبينت ان المسح الرقمي يتيح الوصول الى قطع اثرية لا يمكن عرضها في المتاحف التقليدية مما يعزز التبادل الثقافي العالمي.
واكدت سعيد ان تجربة موقع نيابوليس الاثري اثبتت فاعلية المسح الرقمي في حماية المواقع المتضررة بفعل العوامل الجوية. واضافت ان هذه العملية تساهم في اعادة وصل الاجيال الشابة بتراثها من خلال تجارب تفاعلية تعتمد على النماذج الرقمية. وشددت على ان العمل الميداني يعتمد بشكل كبير على تطوع الشباب لدراسة القطع وتحسين جودة النماذج الافتراضية.
وكشفت التجارب ان الرقمنة لا تقتصر على الحفظ بل تمتد لتكون مرجعا علميا للترميم. واوضحت ان الاحتفاظ بالبيانات الخام يمثل استثمارا ذكيا للمستقبل. واشارت الى ان تطور التكنولوجيا سيسمح لاحقا بمعالجة هذه البيانات للحصول على نماذج اكثر دقة وواقعية.
نسخة رقمية لما قد يفقده الاصل
وتستمر الجهود التقنية في توفير ادوات دقيقة لاعمال الترميم المادي. واشارت عالمة الاثار لورا هاريسون الى ان المسوحات ثلاثية الابعاد تقدم قياسات دقيقة تساعد المهندسين في اعادة بناء العناصر المعمارية وفق معايير تاريخية. واكدت ان اعادة المسح الدوري للمواقع يتيح رصد تغيرات دقيقة جدا لا تدركها العين المجردة.
واضافت هاريسون ان التوثيق الرقمي يعد اجراء حفاظ استباقيا يحمي الذاكرة من النزاعات والنمو العمراني. وبينت ان السجلات الرقمية لا تحل محل المواقع الاصلية لكنها تدعم البحث المقارن. واشارت الى ضرورة دمج القصص الشفوية والذكريات المرتبطة بالمكان داخل النسخ الرقمية لتكتمل الصورة الانسانية.
واوضحت ان التراث المبني يحتاج الى سياق اجتماعي يمنحه الحياة. واكدت ان المتاحف الرقمية يمكنها استيعاب هذه الابعاد لضمان انتقال الارث الثقافي بجميع جوانبه الى المستقبل.
الاجزاء المفقودة بين التوثيق واعاده البناء
وتواجه عمليات اعادة البناء الافتراضي تحديات اخلاقية وتقنية عند التعامل مع الاجزاء المفقودة. واكد فريق عمل تانيت اكس ار انهم يتركون البيانات المفقودة كما هي في المسح الخام لضمان الامانة التاريخية. واضافوا انهم يستخدمون الوانا متباينة في النماذج التفاعلية للتفريق بين الاصل والمستنتج.
وبين الخبراء ان استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يفتح افاقا جديدة لأتمتة عمليات اعادة البناء. واشاروا الى مشاريع بحثية اوروبية توظف التعلم العميق لتحليل الانماط المعمارية. واكدوا ان هذه التقنيات تساعد في تسريع وتيرة العمل البحثي.
واظهرت دراسة حول معبد بعل في تدمر ان القناعة البصرية للنماذج المولدة آليا ليست دليلا على الصحة التاريخية. وشدد الباحثون على ضرورة وضع قواعد صارمة للتعامل مع المخرجات الرقمية. واكدوا ان الذكاء الاصطناعي يظل اداة مساعدة وليس مصدرا تاريخيا مستقلا.
ما الذي يبقى حين يفنى الاصل؟
ويؤكد باولو كليني ان الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة فريدة على الربط بين الادلة المتناثرة من صور ووثائق ومسوح. واضاف ان الباحثين يجب ان يوضحوا بوضوح الاساس الذي استندوا اليه في كل عنصر معاد بناؤه. وبين ان التفاصيل التي يولدها النظام تظل قابلة للمراجعة مع ظهور ادلة جديدة.
واوضح كليني ان اعادة البناء الرقمي يجب ان تشمل المجتمع المحلي والمؤسسات الوطنية لضمان الحفاظ على المعاني الثقافية للمواقع. وحذر من التوسع في استخدام مصطلح التوأم الرقمي الا في حالات التطابق الكامل مع البيانات المادية. واشار الى ان الرقمنة تمنح التراث فرصة للبقاء في الذاكرة الجمعية حتى بعد زوال الاثر المادي.
وختاما يظل التمييز بين الواقع والافتراض هو المعيار الذهبي في التعامل مع التراث الرقمي. واكد الخبراء ان حماية الذاكرة لا تعني اعادة اختراعها بل يعني حفظها بامانة للاجيال القادمة.
