تواجه السلطات المالية في لبنان تحديات بالغة التعقيد في ظل انكماش حاد في التدفقات النقدية والعملات الصعبة، وهو ما يضع البنك المركزي امام ضغوط متزايدة لادارة السيولة في توقيت يعاني فيه الاقتصاد من تبعات الحرب وتوقف الموارد الحيوية. وتتزايد المخاوف من احتمالية عودة العجز في الموازنة العامة للبلاد نتيجة استنزاف الاحتياطيات الدولارية وارتفاع المصروفات العامة، مما يجعل الوضع المالي في حالة ترقب شديد لما ستؤول اليه الاوضاع في الفترة المقبلة.
واوضحت المعطيات ان ترتيب الاولويات الانفاقية بات يشكل معضلة حقيقية في ظل محدودية الموارد، حيث تبرز الحاجة الملحة لتوفير الدعم الانساني لنحو مليون نازح وضمان استمرارية المخزون الاستراتيجي من السلع الاساسية كالقمح والادوية والمحروقات. واضافت التقارير ان الدولة مطالبة ايضا بتأمين الرواتب والمخصصات الشهرية لموظفي القطاع العام والعسكريين، اضافة الى حصص المودعين في البنوك، وهو ما يفاقم من حدة الضغوط المالية على الخزينة.
وبينت اوساط مصرفية مطلعة ان هناك حالة من التراخي الرسمي في اتخاذ خطوات استباقية وتشاركية لمواجهة هذه التحديات، مشيرة الى ان استمرار العمليات العسكرية يهدد الموسم السياحي الذي يعد احد اهم الروافد الدولارية للبنان. واكد المصدر ان غياب خلية ازمة وزارية فاعلة للتنسيق مع حاكمية البنك المركزي يعيق اتخاذ اجراءات تحوطية ضرورية، مثل تقنين التحويلات الموجهة للاستيراد غير الضروري وحصر الانفاق في الاولويات القصوى للحفاظ على ما تبقى من احتياطيات.
مطالبات عاجلة بخطوات انقاذية
وشدد رئيس لجنة الاقتصاد البرلمانية على ضرورة اعلان حالة طوارئ مالية ومصرفية شاملة، مؤكدا ان استمرار تجميد مشاريع قوانين الانتظام المالي يزيد من معاناة المواطنين والمودعين الذين يواجهون مصيرا مجهولا. واوضح ان استمرار البنوك في فرض رسوم مرتفعة على المعاملات المالية امر غير مقبول، داعيا مصرف لبنان الى التدخل الفوري لتنظيم هذا القطاع وضمان عدم استنزاف اموال الناس.
واكدت مصادر اقتصادية ان ضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية لم يعد كافيا وحده لتحقيق استقرار طويل الامد في سعر الصرف، خاصة في ظل العوامل الجيوسياسية التي تفرض نفسها بقوة على المشهد النقدي. وبين البنك المركزي في مواقفه الاخيرة ان تقلبات الموجودات بالعملات الاجنبية ترتبط بشكل اساسي بالتوترات الامنية والاقليمية التي تخرج عن نطاق سيطرة الدولة والسياسات النقدية المتبعة.
واظهرت تقارير مؤسسات التقييم الدولية ان ميزان المدفوعات اللبناني معرض لضغوط اضافية نتيجة ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع تحويلات المغتربين بسبب ضعف النشاط الاقتصادي في الاسواق الخارجية. واشارت هذه التقارير الى ان لبنان بات في حاجة ماسة للبحث عن مصادر تمويل خارجية طارئة، بما في ذلك التفاهم مع صندوق النقد الدولي لتوفير سيولة عاجلة تسهم في تلبية الاحتياجات الانسانية والاجتماعية الملحة.
الواقع الرقمي للاحتياطيات
وكشفت الارقام الرسمية عن تراجع في مخزون الاحتياطيات بنحو 516 مليون دولار خلال الاشهر الثلاثة الماضية، ليصل الى قرابة 11.43 مليار دولار. واوضحت البيانات ان هذا الانخفاض جاء نتيجة لارتفاع المدفوعات النقدية الموجهة للقطاع العام وزيادة سقف السحوبات بموجب التعاميم المصرفية، مؤكدة في الوقت ذاته ان هذه التحركات هي انعكاس لظروف استثنائية وليست خللا هيكليا في السياسات النقدية المعتمدة.
واضافت المعطيات ان البنك المركزي يواصل ادارة الموجودات بحذر شديد لحماية الاستقرار النقدي، مشيرا الى ان العوامل المحاسبية الناتجة عن تقلبات اسعار الصرف العالمية تلعب دورا في تذبذب الارقام المعلنة. واكدت التقارير ان السداد الجزئي للودائع شهد ارتفاعا ملحوظا، حيث زادت وتيرة السحوبات وفق التعاميم المعتمدة بنسب متفاوتة، وهو ما يمثل ضغطا اضافيا يتم التعامل معه ضمن الامكانات المتاحة رغم شح الموارد.
وبينت المؤشرات ان التحدي الاكبر يكمن في الموازنة بين الحفاظ على ما تبقى من احتياطيات وبين تلبية الاحتياجات المعيشية اليومية للمواطنين. واكدت الجهات المعنية ان التنسيق بين وزارة المالية والبنك المركزي لا يزال قائما لضمان استمرار دوران العجلة الاقتصادية في اضيق الحدود الممكنة، مع التركيز على استراتيجيات التحوط التي تضمن حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار الكلي في ظل الازمات المتلاحقة.
