في المساءات الخريفية الهادئة التي تلون هضاب أم قيس الأثرية بوشاح ذهبي، كانت ليلى تتنقل بخفة بين الأعمدة البازلتية السوداء. تحمل في يدها فرشاة ناعمة ودفتر ملاحظات، مكرسة وقتها لتتبع النقوش الإغريقية القديمة المحفورة على الحجارة التي صمدت في وجه الزمن.

كانت مهمتها تتجاوز مجرد نقل الحروف؛ تهدف إلى فهم حكايات البشر الذين عاشوا هنا ذات يوم ونظروا إلى البحيرة البعيدة بنفس النظرة الدافئة.

عند الغروب، جلست على حافة مدرج بازلتي يطل على بحيرة طبريا والجولان الممتد في الأفق. النسيم البارد يحمل معه رائحة أوراق البلوط الرطبة وصوت حفيف خفيف يأتي من السهول المنخفضة.

اقترب منها رجل مسن من أهل البلدة، يرتدي كوفيته بوقار، ويحمل في يده حبات من التين المجفف. ألقى السلام وجلس على مقعد صخري مجاور، ناظراً إلى المياه الزرقاء التي بدأت تعكس ألوان الشفق البرتقالية.

قال بصوت هادئ: “كل حرف حفر على هذه الصخور يا ابنتي هو رسالة شوق كتبها مسافر لم يعد، أو صديق أراد أن يترك خلفه أثراً من روحه.”

لم تجبه ليلى، واكتفت بالنظر إلى السطور الغامضة المحفورة أمامها. مررت أصابعها برفق على الحجر الخشن البارد، مستشعرة الانحناءات الدقيقة التي صنعها إنسان قبل آلاف السنين.

غابت الشمس وراء التلال البعيدة، مخلفة وراءها تدرجات أرجوانية ساحرة تملأ السماء. نهض الشيخ ببطء، مودعاً بابتسامة وقورة، ومضى في طريقه نحو بيوت القرية القريبة.

بقيت ليلى جالسة في مكانها، تستمع إلى صوت الريح وهي تمر بين الأعمدة الأثرية، وتراقب أولى نجمات المساء وهي تلمع فوق مياه البحيرة الهادئة في سكون تام.

خالد الشطناوي